استطاع المسلسل الدرامي التاريخي "توق" أن يثبت أن هناك إبداعاً عربياً قائماً وقادماً في الطريق، ولعله علامة فارقة في تاريخنا الدرامي الفني، بحبكته المبنية على عمق ثقافي وقوة معالجة فاطنة وهاضمة لقضية ولع الغرب بالشرق، وحاجته إلى الكثير لاكتشافه، شاهد ذلك ان المسلسل البدوي لايزال يحصى نجاحاته، فبعد عرض الأول على قناة "روتانا خليجية" رمضان الماضي، وتحقيقه نسب مشاهدة عالية، اشتراه تلفزيون قطر حصريًّاً كعرض ثان في أكتوبر الماضي، وأخيراً يعرض الآن على قناة «mbc1»، ما يدل على أن «توق» حقق نجاحاً كبيراً.
وفي تحليل بالأرقام لهذا النجاح، نجد أن موقع المسلسل الإلكتروني وصفحته على موقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك" وحلقاته على موقع "اليوتيوب" والمنتديات العربية، شهدت إقبالاً تخطى مئات الآلاف من الرواد بين المشاهدات والإعجابات والتعليقات وتحميل حلقاته، وبالطبع لا يوجد مسلسل يحقق هذه الأرقام على صفحات الإنترنت إلا وإذا كان قد حقق أرقاماً مضاعفة تصل لملايين المشاهدة على شاشات التلفزيون، ولا يزال مستمراً في مضاعفة هذه الأرقام.
نخبة من النجوم
المسلسل تخطت ميزانيته 18 مليون دولار ومن إنتاج مشترك بين أكبر الشركات الإنتاجية في الوطن العربي، وهي فرح ميديا للمنتج إسماعيل كتكت وكريزما الخليج اللبنانية للمنتج أيمن الزيود، ومن تأليف الأمير الشاعر بدر بن عبدالمحسن صاحب الرواية «توق»، وسيناريو وحوار عدنان العودة، ومن إخراج التونسي المتألق شوقي الماجري، ومشاركة نخبة من نجوم الوطن العربي على رأسهم غسان مسعود وسلافة معمار من سوريا، وعبدالمحسن النمر من السعودية، ومحمود قابيل من مصر، ومنذر الرياحنة من الأردن، وكريستين شويري من لبنان. المسلسل كذلك توافرت فيه أسباب ووسائل النجاح والدعم، ولكن ليس كل عمل فني تتوافر فيه هذه الأسباب والوسائل ينجح نجاحاً مثل هذا، ويملأ الدنيا ويشغل الناس، فوراء هذا النجاح إبداع آمن به كل من عمل واجتهد في هذه العمل الفني.
نجاح إبداعي
تعليقاً على صفحة المسلسل على موقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك" و"اليوتيوب"، والمنتديات التي تحدثت عنه ونقلت حلقاته للمشتركين بها، نجد أحد القراء يقول: «أخاف أضع موسيقى المسلسل نغمة للموبايل لتطلع لي توق!!»، وآخر: «أخاف أشاهد المسلسل قبل ما أنام ليظهر لي سراب!» فهذا إن دل فإنما يدل على أن المشاهد عاش وتعايش مع العمل، وهذا نجاح إبداعي غير النجاح الجماهيري الذي حصده العمل وتخطاه بمراحل.
كما نجد آخرين يعلقون على الملابس والديكور وكيف كانت موافقة ومعبرة عن الأزمنة التي طاف بها المسلسل وتنقل بالمشاهد بينها وهو جالس أمام الشاشة التلفزيونية، وآخرين يعلقون على حركة الكاميرا والتقنيات الفنية الرائعة التي تم توظيفها بإتقان من قِبل الماجري، وآخرين يعلقون على الأداء الراقي والمتميز لنخبة النجوم المشاركة في العمل، وما أكثر التعليقات التي حظيت به قصة العمل للشاعر بدر بن عبدالمحسن وكيف شد انتباه وحس المشاهد من بداية أول حلقة وحتى نهايته، وكيف استطاع بالأشخاص والأحداث والألغاز والمفاجآت والمزج بين الواقع والخيال من ناحية وحكايات الجن والأساطير من ناحية أخرى أن يجعل عنصري التشويق والإثارة مكوناً أساسياً في كل حلقة يشاهدها الجمهور، ولا ننسى الأشعار التي تخللت الحوار فهي من تأليفه أيضاً والتي جعلت لحوار المسلسل على لسان أشخاصه طابعاً مميزاً ومختلفاً عن أي عمل درامي آخر.
