لن تشفى المانيا من "عقدة" النازية، طالما أن منصات رئيسية لتشكيل الرأي العام، مثل السينما، لا تتعب في الترويج، بكل السبل والأساليب، لجريمة الفكر النازي، الذي جسده الزعيم الألماني ادولف هتلر، مطلع القرن الماضي.

وللراغبين بأن يؤرخوا ما يشبه "موسوعة" عن الأفلام الألمانية والأوروبية والأميركية التي انتجت خلال النصف قرن الماضي، ما عليهم الا أن يتأكدوا من حجز مقاعدهم في صالات مشاهدة الأفلام لأسبوعين في فبراير من كل عام في برلين.

وبوسعك أن تصادف هذه السنة حفنة من الافلام التي لا يحلو بعضها من الكوميديا، وان "السوداء"، مثل "السماء الحديدية" لمخرجه الفنلندي الشاب تيمو فورينسولو الذي يروي أحداث غزو للأرض من كائنات تعيش في الجانب المظلم من القمر، ما هي الا بقايا لفلول النازيين الهاربين قبل أكثر من نصف قرن!

 

صائد النازيين

بالتأكيد، يصعب حصر قائمة الأفلام الموجهة في هذا الصدد، فهي متغلغلة، شديدة الوضوح احيانا، وملغزة في أحيان اخرى، منعزلة في اطارها الالماني في مرات، ومنفتحة على الدعاية الصهيونية التي لا تستثني العرب من سهامها بالتأكيد، في غالب الأحيان. في 2007، بكت جماهير الصالات اثناء حضورها فيلم "صائد النازيين" سيمون فيسنتهال.

يقدم الفيلم أدلة دامغة على حقيقة وقوع المحرقة النازية من خلال مشاهد تحبس الأنفاس من فرط التشويق والإثارة. الرجل قبل شهور قليلة قبل موته في سبتمبر 2005 يتذكر سيمون فيسنتهال ما عاهد زوجته عليه: "ثلاث أو أربع سنوات سنقطن في فيينا لاقتفاء أثر النازيين.

وبعدها سنعود إلى إسرائيل". لكن الرياح لا تأتي دائماً بما تشتهيه السفن. لقد بقى فيسنتهال في صراع مستمر مع النازيين حتى نهاية حياته وصمد أمام كل ما واجهه من تهديد لأسرته وتفجير لبيته عن طريق قنبلة مفخخة.

هذا واحد من مئات الأفلام التي تعلق في الذاكرة، والتي تعكس منحى أساسيا في منهجية الأفلام المعادية للنازية: الضحية ليست يهودية فقط، لكنها اسرائيلية. هناك ربط حقيقي بين ما جرى لليهود على يد النازيين قبل الحرب العالمية الثانية، وبين ترويج دراما "العذابات" التي يتعرضون لها في "اسرائيل" اليوم!

لكن هل هذا يجعلنا قادرين على اختزال المشهد على النحو التالي: برلين السينمائي مهرجان معاد للعرب؟ وكيف يمكن تخيّل ذلك وانت تتفقد عشرات العناوين التي تروّج لـ"الربيع العربي" في برنامج أنشطة وعروضات المهرجان؟

 

نقاش لا ينتهي

نقاشات مستمرة ومتكررة، اذا، على مدى نصف القرن الماضي من عمر المهرجان، الذي بلغ إحدى وستين سنة، تتعلق بشكل رئيسي بسيطرة مفترضة لأجندة تدعم الأفلام التي تروّج لقضايا اسرائيلية، على رأسها تاريخ النازية ضد اليهود، حيث يرى البعض أن المهرجان يعتبر احدى المنصات الرئيسية لدعم هذه الأفلام، على الصعيد الأوروبي.

فيما تتكفل هوليودي بالشق الأميركي التجاري، على المستوى العالمي. لكن هذه النظرية التي تشيع كثيرا في كتابات نقاد عرب، لا يبدو تأكيدها، لأي متتبع وراصد للمهرجان، على هذا النحو من البساطة التي تسمح بالتوصل الى خلاصات حاسمة.

وفي كل سنة، تطال أسهم بعض النقاد منظمي مهرجان برلين السينمائي الدولي، لتعاطفهم مع سينما إسرائيل ودعمهم لمخرجين إسرائيليين، في الوقت الذي يلحظ فعلا غياب شبه كامل لسينما عربية قوية ومؤثرة، ومكتملة العناصر الفكرية والتجارية التي تضمن مشاركة أفلام تدحض الدعاية الصهيونية في المسابقات الرسمية للمهرجان، على كل لا تظل المشاركات العربية مجرد احتفاءات موسمية أو "ديكورات" للقول:" ونحن هنا"!.

 

أجندة موجهة

لكن آخرين لا يوافقون على أن المهرجان يتحرك بأجندة موجهة ضد العرب، بدليل أفلام إسرائيلية عرضت في الدورات الماضية، وتعرضت للصراع بين إسرائيل والعرب، من دون أن تتبنى وجهة النظر الإسرائيلية، كما فيلم عن همجية الجنود الاسرائيليين عرض اول أمس.

وصولا الى ما حدث في دورة العام 2007، حين تمكن فيلم إسرائيلي، هو «بوفور»، يتناول هزائم الجيش في جنوب لبنان، من الفوز بالجائزة الذهبية في المهرجان، الأمر الذي جعل المتعاطفين مع إسرائيل يفتحون نار الانتقاد على إدارة المهرجان التي احتفت بفيلم «يظهر الجنود الإسرائيليين يعيشون العزلة والخوف الذي ينتقل كالعدوى إلى الجميع، فيما يكون علي قائد المجموعة أن يتخطي خوفه وهو يشهد جنوده يسقطون واحدا تلو الآخر».