أدت سيطرة المنتجات الأميركية والغربية على الأسواق العالمية إلى غزو ثقافي وإعلامي شمل معظم اركان الدنيا. وشهدت تلك المنتجات تصاعدا مستمرا في اكتساحها للسوق الأمر الذي قاد إلى تحقيق مزايا مزدوجة لها , سواء من الناحية الاقتصادية بما تمثله من جني أرباح ضخمة متزايدة الارتفاع ، أو من الناحية الثقافية في نشر الأنماط والأساليب الفكرية والثقافية الأميركية والغربية بين مختلف شعوب العالم والسعي لجعلها أنماطا يقتدى بها .
كما أدى ذلك إلى حد كبير في تنميط السوق الإعلامية العالمية تماشياً مع هذه المنتجات وبالشكل الذي أثر في تشكيل أذواق قطاعات واسعة من فئات الجمهور المتعرض لهذه المواد في مختلف دول العالم ،وجعلها عرضة لغزوات ثقافية مختلفة الأشكال والمراحل ،نجحت في التأثير في ثقافات العديد من المجتمعات في العالم وإعادة تشكيل البعض بدرجة او أخرى تماشيا مع الثقافات الغربية.
وازدادت بشكل متلاحق عمليات الإدماج بين الشركات المالكة لوسائل الإعلام المختلفة لتشكل بذلك قوى متعاظمة القدرات, بما ضمته من رؤوس أموال ضخمة بلغت في اجمالها 72.3مليار دولار ناتجة عن اندماج 10 شركات في خمس, حظيت بإمكانات مالية ضخمة و فنية وإعلامية وتقنية وحرفية كبيرة جداً. ومثال على ذلك الميزانية الناتجة عن اندماج " تايم وارنر واي اوال" في شركة عملاقة واحدة، بلغت ميزانيتها 7ر36 مليار دولار.
فيما بلغت الميزانية الناتجة عن اندماج " سي بي اس وفياكوم" في كيان واحد نحو 7ر10 مليارات دولار. والميزانية الناتجة عن اندماج "أي تي وتي في" شركة واحدة 9ر9 مليارات دولار. وميزانية"ديزني واي بي سي" بلغت 5ر7 مليارات دولار. وميزانية "جي أي وان بي سي "وصلت إلى 5ر7 مليارات دولار.
رؤوس أموال ضخمة للعمل الإعلامي
وهنا يتضح لنا حجم رؤوس الأموال الضخمة المستثمرة في العمل الإعلامي في تلك الاقتصاديات, وما تقوم به من ادوار اقتصادية كبيرة في تلك المجتمعات.
لكن المدهش أن بعض الشركات المنتجة,قد استغلت الإعلام أسوأ استغلال لتحقيق غاياتها, في تحصيل أقصى ما تستطيع من الربح المالي ,على حساب مضمون وقيمة المنتج الإعلامي الذي تصنعه. كما عملت على إيجاد منافذ مستمرة ومتجددة لمنتجاتها الإعلامية في الأسواق العالمية ساعية للحصول على فرص الربح بمختلف الوسائل بصرف النظر عن محتوى وقيمة هذه المنتجات ومدى فائدتها لأفراد الجمهور المستقبل لها.
ورجحت أهداف الربحية على حساب الوظائف المهمة التي تقوم بها وسائل الإعلام في التثقيف والإعلام والتعليم ورفع مستويات وعي الجمهور وغيبت هذه الوظائف بما انعكس سلباً بالنتيجة على مستوى اذواق وثقافة وعادات وقيم الجمهور المتعرض لهذه البرامج والمواد الإعلامية وأدى إلى قولبة الكثير من رغبات وأذواق جمهور وسائل الإعلام في العالم بتوجهات متقاربة مع ما تروج له هذه الوسائل.
ووجهت الشركات رغبات الجمهور إلى الاستهلاك المفرط والسطحية في تناول الأمور والقضايا المختلفة وتغليب الغرائز والنزعات السلبية وتسويق الأذواق. وأصبحت المواد الثقافية سلعاً للبيع والشراء في سوق ضخمة لا تعرف غير لغة المال أداة للتفاهم.وتمكنت مجموعة من الشركات الإعلامية العالمية من السيطرة على هذه السوق بما جلب لها الأرباح الكبيرة على حساب الدول المستوردة لهذه السلع والمنتجات الإعلامية.
وأصبحت اقتصاديات الإعلام العالمية متعاظمة النفوذ والتأثير في النواحي الاقتصادية والثقافية والاجتماعية لمختلف دول العالم وذلك بفعل الإمكانات والقدرات المتعاظمة التي باتت تملكها والتي جعلت منها وسائل متزايدة الأهمية في المجتمعات الحديثة.وأصبحت توجهات الإعلام العالمي تخضع لرغبات إمبراطوريات إعلامية عالمية ضخمة توجهه بالشكل والطريقة التي ترتئيها. مما زاد من الاختلال الإعلامي الذي تشهده الساحة الإعلامية العالمية بشكل كبير.
غزو ثقافي واكتساح اقتصادي
العملية الإعلامية في اقتصاديات مجتمعات ما بعد الصناعة باتت تتداخل فيها مجموعة من العوامل المتشابكة مثل , متطلبات السوق وآليات الاقتصاد الرأسمالي ,والأهداف الربحية ,وخصوصية المنتجات الإعلامية وما تشكله وتحتويه من مضامين ثقافية تحمل قيما ومعانٍي وعادات وأشكالا للسلوك وأنماطا للحياة تميز المجتمعات التي أنتجتها.واستطاعت الشركات الإعلامية توظيف التطورات المتلاحقة في تكنولوجيا وسائل الاتصال لخدمة أهدافها بالشكل الذي يوصلها إلى اكبر عدد ممكن من قطاعات الجمهور في العالم.
وجاءت الثورة الرقمية في مجال وسائل الاتصال لتسهل عملية جمع أشكال الاتصال المعروفة, وهي الكتابة والصوت والصورة بوسيلة اتصال شاملة ومباشرة ومنخفضة التكاليف إلى حد ما ,وممتدة حول أرجاء العالم وهي شبكة المعلومات العالمية "الانترنت" ولتتحول وسائل الإعلام شيئا فشيئا إلى الفضاء الالكتروني العالمي ويزداد مدى وصولها إلى مختلف دول العالم وتزداد في الوقت نفسه مستويات التقنيات المتطورة المستخدمة في العمل الإعلامي , الأمر الذي أوجب على العاملين في المجال الإعلامي تطوير إمكاناتهم ومهاراتهم , بالشكل الذي يتماشى مع الثورة الرقمية ,وما يشهده العالم من تطورات متلاحقة ومتسارعة في هذا المجال .
وتشهد الساحة الإعلامية العالمية عمليات كبيرة بين مختلف الشركات الإعلامية ليس على صعيد الدولة الواحدة فقط وإنما امتدت لتشمل مختلف دول العالم ولتشكل سلسلة كبيرة على نطاق العالم. فضلا عن ذلك فان الساحة الإعلامية شهدت في الوقت نفسه عمليات إدماج مستمرة بين أشكال وسائل الإعلام المختلفة (الصحافة الراديو والتلفزيون والانترنت) لتجتمع في مصدر واحد وتنطلق من المنطلقات نفسها بعد ان كانت رؤاها وتناولها للموضوعات تتباين من وسيلة إلى أخرى بفعل امتلاكها وتمويلها وتوجيهها من مؤسسات متعددة.
وطبعت الكثير من الرسائل الإعلامية المتعددة لوسائل الإعلام المختلفة بنفس الطابع وذات الاتجاه الذي يتماشى مع توجهات مالك أو ممول تلك الوسائل.وأصبحت منطلقات رسائلها الإعلامية لا تختلف بين وسيلة وأخرى. ما ابعد وسائل الإعلام عن التعددية والتنوع في طرح القضايا والموضوعات وتعدد توجهات تناولها وأضفى عليها صبغة واحدة او لون واحد أو اتجاه معين.
وقد ازدادت أعداد القوى العاملة في قطاع الإعلام في العالم بشكل كبير حيث وصل عدد العاملين بالقطاع في أوروبا إلى أربعة ملايين شخص في عام 2005.
من هنا يتبين لنا أهمية دور صناعة الإعلام المتزايد في اقتصاديات هذه المجتمعات وذلك بسبب ميزانياتها الضخمة وما تستوعبه من من قوى عاملة كبيرة, وما تحققه من أرباح متصاعدة باستمرار تضاهي بقية الصناعات الأخرى في اقتصاديات مجتمعات ما بعد الصناعة.
