كان محبو الأفلام العربية والأجنبية في محافظة بابل العراقية، يعتبرون السينما جزءاً من التشكيل الثقافي لمدينة الحلّة، مركز المحافظة، التي كانت فيها ست دور عرض سينمائية، تأسست أولاها بداية الأربعينيات من القرن الماضي، ثلاث منها صيفية، ومثلها شتوية، موزعة على أماكن مختلفة من المدينة، تختص كل منها بعرض أفلام معينة تختلف عن دور العرض الأخرى.

 وحسب شبكة "آكانيوز"، فإنه، مع هدم آخر دار عرض سينمائي فيها، بعد أن تلاشت وتحولت بعض منها إلى ورش صناعية، تودع المدينة آخر دور عرضها.

 

غياب رافد

وعن غياب دور السينما، وتأثير هذا الغياب على التشكل الثقافي، الذي خلقه هدم سينما الجمهورية، آخر دار للسينما في بابل، قال الأستاذ في كلية المستقبل، فوزي الطائي، إن "السينما رافد ثقافي مهم، ليس في العراق أو الحلة فقط، وإنما في مجتمعات العالم أجمع، فهي تؤسس كوناً من تعانق أدبي فني يسحب الأنظار والمشاعر إلى دائرة التخيل والرؤية الفنية بقوالب جمالية راقية".

ويضيف إن "السينما فن الممكن واللا ممكن، وفن المأساة والملهاة، وعالم من السحر والأحلام الجميلة، تصنعها لك الشاشة الكبيرة، ما يسهم في تربية الذوق الإنساني وتهذيبه من تراكمات الحياة".

 

مناخ عام

بدوره تحدث الإعلامي علي الساري عن ذائقة حاسة البصر للصورة، ويقول: "حتى تسعينيات القرن الماضي غطت السينما جزءاً كبيراً من عطش ذائقة العين البصرية للصورة المتحركة في العراق، ثم أخذ الفيديو يزاحمها من جهة، والستلايت السري من جهة أخرى، بل سرقا الكثير من جمهورها، وبالذات النخبة، فلجأت إدارات السينمات إلى (استجداء ريادتها بالأفلام التي تعتمد الإثارة.

وهي غالباً فارغة من المحتوى الفكري". ويضيف الساري: "بعد عام 2003 أغلقت السينمات شبابيكها في العراق، فقد أطلق الأثير على دورها رصاصة الرحمة، إذ رفعت الحجب عن كل محظور وباتت الفضائيات المتخصصة بعرض الدراما بكل أشكالها سواءً الهادفة أو المتحررة، الواقعية أو الفنتازية، ملك يمين المشاهد، لا تكلفه سوى لمس أحد أزرار الريموت".

 

قلب نابض

ويرى ماهر محمد فاخر، (مدرس)، أن "سينما الجمهورية كانت بمثابة قلب مدينة الحلة النابض بالثقافة والحب، وقد سميت هكذا تيمناً بالجمهورية الجديدة عام 1958 سنة تأسيسها". ويضيف فاخر مستذكراً أيام صباه "تعرفنا على عالم غريب، قاعة كبيرة.

وشاشة عملاقة وأفلام من كل بقاع الأرض، هذه هي السينما بالنسبة إلينا، هي التي عرفتنا على كلينت استوود وترانس هيل وبود سبنسر وشامي كابور وعبدالحليم حافظ في أبي فوق الشجرة، لا تزال أصوات الصفير حين ينقطع الفيلم تتردد على مسمعي، مازلت أتذكر كيف كنا نستقبل البطل حين يأتي لإنقاذ حبيبته بالتصفيق، ظناً منا أنه يسمعنا.. ذكريات لا تنسى، استرجعتها حين شاهدت المعاول تدكها كأنها دكت ذكرياتنا جميعاً".