استضاف مسرح استوديو "لينبوري" اللندني أخيراً أوبرا "قلب الظلام"، للموسيقار البريطاني طارق أوريغان، التي اقتبسها عن رواية للكاتب البولندي الأصل جوزيف كونراد صدرت عام 1899، لتروي تفاصيل سيطرة الغرب على البلدان الفقيرة واستغلاله لمواردها الاقتصادية، وما رافق ذلك من قتل وتدمير وتهجير واغتصاب لثروات تلك البلدان وترحيلها إلى البلدان الغربية.
وتحدثت صحيفة "غارديان" البريطانية، في تقرير نشرته أخيراً، عن ذلك العرض، الذي يمثل أول تجربة لأوريغان في مجال الأوبرا، وأول عمل يضع موسيقى لرائعة كونراد، التي استلهمها المخرج الفذ فرانسيس فورد كوبولا عام 1979 من خلال فيلمه الشهير "القيامة الآن". غير أن نسخة أوريغان، التي ألف نصها المغني الفنان والكاتب والملحن توم فيليبس، كانت أكثر التزاماً بالعمل الأصلي.
رحلة بحث
وتعتبر رواية "قلب الظلام" أقرب إلى رحلة بحث، يسافر فيها مارلو، وهو الراوي الرئيسي، بعيداً عن موطنه الأوروبي إلى وسط القارة الأفريقية من أجل إعادة تاجر العاج كيرتز، الذي وردت تقارير تفيد بضلوعه في عمليات احتيال، ما أصاب الشركة التي يعمل لديها بالقلق. ومع مضيه في أسفاره مبتعداً عن الضوابط الأخلاقية لموطنه الأصلي، يكتشف مارلو أدلة صاعقة على سلطة كيرتز المطلقة على القبائل المحلية والأشخاص الذين يتواصلون معه، إلى أن يواجه في نهاية المطاف واقع الحاكم المتجبر ذاته، وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة، وكلماته الأخيرة التي لا يمكن محوها: "الهول! الهول!"
ويبقي كل من فيليبس وأوريغان على أداة كونراد المتمثلة في مارلو الراوي الذي يسرد حكايته لزملائه البحارة على متن سفينة في مصب نهر التيمز، حيث عمدا إلى استخدام إطار ثان من خلال تقسيم زيارته لخطيبة كيرتز المتوفى إلى مشهدين. وفي حوالي 75 دقيقة، كانت النتيجة سريعة وذات وتيرة جيدة.
وتظهر الأوبرا أيضا المهارات التقنية التي يتمتع بها أوريغان. إذ أحدثت الموسيقى المكتوبة لمواكبة النص المغنى التأثير المرجو منها، على الرغم من أنها لم تكن معبرة دائماً. في حين ساهمت الكتابة الأوركسترالية، المصممة لفرقة تضم 14 موسيقياً، التي تم تجسيدها في هذا العرض من قبل فرقة كروما، تحت قيادة احترافية من المايسترو غوتش أوليفر- ساهمت في إثراء الأجواء.
ومع ذلك، فإن الموسيقى نادرا ما كانت تقود السرد كما ينبغي. حيث يقتضي السيناريو حدوث زيادة مطردة في التوتر مع اقتراب مارلو من هدفه، ولكن ذلك لا يتحقق في أوبرا أوريغان. وقد بدأت أغنية "كيرتز"، المؤداة في هذا العرض من قبل المغني الدنماركي صاحب الصوت الجهير مورتن كرامب، بإيماءة لافتة لعبارة متكررة، لم يرافقها قدر كبير من الموسيقى، ولكنها كانت بحاجة إلى أفكار موسيقية أكثر تميزاً في مجملها لاحتواء المكانة الرمزية الوحشية للشخصية. ومن جهة أخرى، فقد تم تقديم أغنية "مارلو" بقدر من الوضوح والتركيز من قبل آلان أوك ذي الصوت الصادح، ولكن هذه الشخصية أيضاً كانت بحاجة إلى ملامح موسيقية أكثر حدة.
وحرص المخرج ادوارد ديك، الذي اختار هيكلاً يحاكي ظهر مركب من تصميم روبرت هوبكنز ليكون المكان الذي تجري فيه أحداث المسرحية، والذي في نهاية العرض تغمره المياه التي تحيط به على الالتزام بخط السرد على نحو حازم. غير أن الموسيقى التصويرية، على الرغم من تنفيذها بشكل جيد، لم تغتنم فرصها الدرامية اغتناماً كاملاً.
