لعبت القنوات الفضائية المختلفة دوراً بارزاً في ثورات الربيع العربي، بعد أن تحوّلت أغلب برامج «التوك شو» على شاشتها إلى منابر للحريات، وملاذ آمن للقوى الثورية المعارضة للأنظمة الحاكمة في تلك الدول. إلا أنه بعد سقوط الأنظمة الحاكمة في دول الربيع العربي، شهدت الساحة الإعلامية تحوّلات كبيرة، وتعرّضت لحالة وصفها بعض المراقبين بــ «الانفلات الإعلامي» ورآها البعض الآخر حالة من الإغراق الشديد والتدني على المستويين المالي والمهني، في إشارة إلى تزايد عدد الفضائيات بشكل ملحوظ بالتزامن مع إلغاء كثير من القيود التي كانت مفروضة على الإعلام خلال أوقات سابقة.
وتتجسد تلك الحالة بشكل أكبر في مصر بالمقارنة ببعض دول الربيع العربي، حيث شهدت القاهرة بعد أشهر قليلة من الثورة ظهور عدد كبير من القنوات الفضائية ذات التمويل الضخم رغم حالة الكساد الاقتصادي التي تسيطر على مصر رغم مرور عام على الثورة.. وعلى رأس هذه القنوات: cbc، النهار، التحرير، المصري، 25 يناير.. وغيرها من القنوات التي اختلف حول انتشارها خبراء الإعلام ما بين مؤيد ومعارض، متطرقين في الوقت ذاته إلى الاستثمار في صناعة الإعلام في المنطقة والتحديات التي تواجهها.
ويقول أستاذ الإعلام في جامعة القاهرة دكتور محروس غالي، إن الاستثمار الإعلامي بالمنطقة العربية أصبح متخماً ويقوم على المقدرة المالية فقط، وبات من السهل على الكثير من رجال الإعلام إنشاء قناة فضائية لمجرد تحقيق الربح السريع دون الاهتمام بدراسات الجدوى الاقتصادية.
واعتبر انتشار العديد من القنوات بعد ثورة يناير تحديدًا سواء التي تركز على أهداف دينية أو سياسية أو فنية بمثابة حالة من «الفوضى الإعلامية» وذلك لغياب مفاهيم التكتلات الإعلامية العالمية، وكذلك تصاعد تحديات ومخاطر شبكة الإنترنت وتأثيرها في صناعة الإعلام.
في حين ترى الخبيرة الإعلامية، أمل السيد، أن التوسع في إنشاء القنوات الفضائية يسهم في زيادة وعي المجتمعات والارتقاء بها، لكن غياب الكوادر المؤهلة لذلك النوع من الاستثمار إلى جانب سعي أصحاب تلك القنوات إلى الأرباح السريعة، تعد أهم التحديات التي تواجه صناعة الإعلام في مصر.
وانتقدت تجاوز بعض الفضائيات للتقاليد الإعلامية والأخلاقية، حيث خرجت بعد الثورة المصرية الكثير من برامج التوك شو، عن الإطار المهني بتعمد إفساد الوعي والمعرفة، والاعتماد على إثارة الفضائح وربما التشهير بالأفراد. وطالبت بتوافر أسواق إعلامية لإتاحة فرصة لصناع الإعلام للاطلاع على الجديد، ودعم إمكانيات الشركات لتصبح كيانات قادرة على المنافسة، والعمل على تطوير الدراسات والبحوث المتخصصة في مجال الإعلام والاتصال، والتركيز على الإعلام الذي ينمي المجتمعات وينهض بها.
