تعرف الموسيقى بأنها لغة عالمية وهي لا تعترف بحدود أو جنسيات معينة ، فالكل فيها سواء، ما أهلها لأن تتحول في كثير من الأحيان إلى مشروع خيري يسعى إلى دعم الحالات الانسانية المختلفة، وهناك العديد من التجارب الناجحة في هذا المجال ولعل أبرزها تجربة الأميركي كوينسي جونز الذي قدم أغنية "بيتر مي بيتر يو" التي حققت حينها نجاحاً كبيراً في الأسواق وحولت إيراداتها لدعم المشاريع الانسانية.
الأمر ذاته حدث عربيا، حيث قدمت العديد من التجارب التي كرست لدعم القضايا الإنسانية وأبرزها مشروع أوبريت بكرا الذي أطلق في دبي نوفمبر الماضي ، ناهيك عن كونها صارت واقعاً ودروساً تعليمية على أجندة الصغارفي طريقهم نحوتعلم مهنة جديدة
وفي ضوء ذلك، هل يمكن للموسيقى فعلاً أن تتحول إلى مشروع خيري لدعم الأطفال، خاصة وأن مراكز متخصصة بالموسيقى في دبي بدأت في الفترة الأخيرة تستضيف أطفالاً من مختلف الجنسيات وتقوم بتدريسهم أصول الموسيقى لإعطائهم الفرصة لتعلم مهنة جديدة، ومحاولة للتخفيف من آلامهم.
مهنة للمستقبل
عدي الجمل الذي لا يتعدى عمره 14 عاماً أحد الأطفال الذين تعلموا الموسيقى في دبي التي وصلها لتلقي العلاج من جروح أصيب بها في حرب غزة. لقد كان جدول عدي مشغولاً وموزعاً بين العلاج والتعلم، ولم تغب دروس الموسيقى عن أجندته حيث كان يتلقى دروساً في الجيتار، وقد وجد فيها تنفيسا لما في نفسه وطريقه جديدة تعوضه عن جزء من أحلامه خاصة وأنه كان يطمح لأن يصبح في المستقبل أفضل لاعب كرة قدم، إلا أن القدر لم يساعده في تحقيق ذلك، املاً بأن يجد في الموسيقى مهنة في المستقبل.
أما بيسان السلاق التي لم يتعد عمرها 12 عاماً فقد جاءت هي الأخرى من غزة لتلقي العلاج في دبي، وخلال تواجدها تلقت دروساً في البيانو الذي لم يسبق لها أن عزفت عليه في بيتها. لم يكن اختيار بيسان التي تطمح الى أن تكون صحافية في المستقبل اعتباطا فهي تعشق أنغامه وتركيبته المعقدة. وقالت: "لقد وجدت في البيانو ضالتي وقد فرحت عائلتي كثيرا عندما علمت بأنني أتعلم العزف عليه، وأود أن أواصل تعلمي عليه عند عودتي إلى غزة في حالة توفرت لي الفرصة مرة أخرى".
أمل الحياة
عدي وبيسان و4 أطفال آخرين من بنغلادش كانوا ضيوف تالا البدري مديرة مركز الفنون الموسيقية في دبي التي سعت خلال فترة تواجدهم في دبي إلى تعليمهم الموسيقى بمختلف أنواعها مجاناً على أمل أن تكون قد غرست فيهم الأمل بالحياة.
وعن تجربتها هذه قالت تالا البدري: "المجموعة التي استضفتها جاءت الى دبي بهدف العلاج من الأمراض والاصابات التي ألحقت بهم نتيجة الحروب والنزاعات التي تعيشها بلادهم، وقد تعاونا في ذلك مع دكا بروجيكت وجمعية اغاثة أطفال فلسطين".
وأضافت: "أؤمن بأنه يمكن للموسيقى ان تساهم في دعم القضايا الانسانية وهو ما أثبتته مختلف التجارب في العالم، وإقدامي على هذا الخطوة لمعرفتي بأن هؤلاء الأطفال جاؤوا من منطقة لا يوجد فيها اهتمام بالموسيقى ولا تتوفر لديهم الامكانيات لتعلمها ، في حين أن هذه الفرصة متوفرة لأطفالنا في دبي بحكم طبيعة المستوى الذين يعيشون فيه". وأكدت بأنها تسعى من وراء تعليمهم الموسيقى إلى فتح المجال أمامهم لتعلم مهنة جديدة بحيث تمكنهم من تحقيق جزء من أحلامهم إلى جانب إنها تساعدهم في تفريغ طاقاتهم وهمومهم وأحزانهم نتيجة الأوضاع التي يعيشون فيها".
نشر الخير
تالا تؤمن بأن الموسيقى قادرة على نشر الخير وأنه يمكن لأي شخص في هذه الدنيا أن يستفيد من الموسيقى بغض النظر عن التخصص الذي يدرسه أو يطمح له، وقالت: "ما يساعدنا في ذلك هو عدم وجود لغة أو جنسية معينة للموسيقى، وهو ما جعلها قادرة على ازالة الحواجز بين الناس".
وعن تجربتها مع أطفال بنغلادش قالت تالا: "لقد لمست مدى حب أطفال بنغلادش لهذه التجربة، لدرجة أن من بينهم طفلة قالت لي إنها تعشق الجيتار وإنها سعت إلى تعليم أقرانها وأشقائها طرق العزف عليه عند زيارتها لعائلتها في دكا، وهو الأمر الذي أسعدني كثيراً، فقد شعرت بأن الموسيقى قد بدأت تحدث تغييرا في حياة الأطفال".

