سنوات طويلة، توارت الكثير من قضايا ومشاكل مجتمعنا الشرقي خلف جدار الخجل بعد أن خيّم الصمت على ألسنة كثيرين ممن أصابتهم أمراض من الصعب الإفصاح عنها؛ خوفًا من نبذ المجتمع بأكمله، ومن بين هؤلاء المصابين بمرض الإيدز.. ولكن مع إطلالة فيلم "أسماء" اتضح جليًا تفاصيل وخفايا يعيشها أصحاب تلك العلة، حيث تم الكشف عن أدق أسرارهم بوضوح، ومن دون أية تورية، ما أسهم في استحواذ الفيلم على إعجاب الجماهير والنقاد.
ومع الإقبال الجماهيري لصالات عرض الفيلم الذي يقوم ببطولته كل من: هند صبري، سيد رجب، ماجد الكدواني، من تأليف وإخراج عمرو سلامة، على الرغم من الأوضاع السياسية التي ألقت بظلالها على الأعمال المعروضة بدور السينما، كان علينا أن نتجاذب أطراف الحديث مع بعض صناع العمل لمعرفة تفاصيله، الذي سيغير، بحسب النقاد، وجهة ومضمون الفيلم السينمائي خلال الفترة المقبلة.
يقول المؤلف والمخرج عمرو سلامة: إن فيلم "أسماء" لم يكن الغرض منه طرح مشكلة مرض الإيدز فحسب، إنما استعراض مشكلة أوقع وأقوى؛ وهي حجم معاناة مريض الإيدز بمجتمعه الذي يعيش فيه؛ لدرجة عدم إفصاحه عن حقيقة مرضه؛ خشية أن يبتعد عنه المحيطون به، خاصة أن مجتمعاتنا العربية اعتادت على التعامل بحرص شديد مع هؤلاء المرضى لدرجة النفور والنبذ؛ مما يضطر المريض إلى الاحتفاظ بسر مرضه بعيدًا عن المقربين منه، ومن ثم يعيش بشخصيتين؛ شخصية تحاول معايشة كل المحيطين بمنتهى الطبيعية حتى لا يشعر بهم أحد، وشخصية أخرى تتلقى العلاج في أوقات معينة ووسط فريق معالج وأصدقاء مرضى لمحاولة التخفيف عن أنفسهم، مما يضاعف من معاناتهم.
زي النهارده
ويستطرد قائلاً: الفيلم هو ثاني تجاربي بعد فيلم "زي النهارده"، وقد استغرق فترة إعداد طويلة منذ عام 2007 وقمت خلالها بإجراء مقابلات مع العديد من مرضى الإيدز حتى أستطيع تكوين رؤية حقيقية، خاصة أن القصة واقعية حدثت بالفعل.
تدور أحداث الفيلم حول سيدة ريفية تدعى «أسماء» تجسدها الفنانة هند صبري، تعيش حياة طبيعية مع زوجها مسعود والذي يجسده هاني عادل، وتشاء الظروف أن يدخل زوجها السجن ليخرج منه مريضًا بالإيدز، ومع انتظار الزوجة يعود إليها الزوج حاملاً رداء موتهما معًا، وحينما تشعر أسماء بابتعاد زوجها عنها، يضطر إلى إخبارها بحقيقة مرضه بالإيدز، ولكنها تصرّ على استمرار حياتهما الزوجية معًا، بغض النظر عن مرضه، خاصة أنها تتمنى إنجاب طفل منه، والنتيجة إصابتها هي الأخرى بالمرض نفسه، وتنجب منه طفلة، ويتوفى زوجها ويتركها وحيدة بصحبة ابنتها والمرض، مما يضطرها إلى الذهاب إلى القاهرة لتعيش بجوار والدها، إلى أن تداهمها الآلام وتضطر إلى الذهاب إلى المستشفى، وحينما يخبرها الأطباء بضرورة إجراء جراحة لها بالمرارة، تخبرهم بحقيقة مرضها بالإيدز، ليرفض الأطباء إجراء الجراحة.
وتبدأ محاولات أسماء في الحصول على حقها في العلاج والحياة بشكل طبيعي، وسط مجتمع يرفض حتى مصافحتها باليد، نتيجة لثقافة خاطئة تربى عليها كل المحيطين بها، مما يجعلها تلجأ إلى الظهور في أحد البرامج الإعلامية للإعلان عن حقيقة مرضها أمام الجميع، في محاولة منها لتغيير واقعها المرير.
تيمة سينمائية
في حين تشير الفنانة هند صبري إلى أنها تسعى جاهدة لاختيار موضوعات متميزة ومختلفة عما قدّم من قبل، وهذا كان أحد الأسباب التي دعتها للموافقة على بطولة "أسماء".
حيث إن تفاصيله كشفت عن تيمة سينمائية بارعة صنعها بحنكة فنية شديدة الخصوصية المخرج والمؤلف عمرو سلامة، حيث نجح الفيلم في تغيير وجهة نظر الكثيرين تجاه مرضى الإيدز، خاصة أن السينما العربية لم تتطرق لتلك المنطقة من قبل سوى من بعض التجارب القليلة والتي استعرضتها على استحياء.
إلا أن الفيلم تطرّق إلى المشكلة بمنتهى الموضوعية وبشكل مليء بالجرأة والواقعية والشفافية، ونجح في اجتذب الجماهير لمشاهدة موجة جديدة ومختلفة من الأفلام كانت بعيدة تمامًا عن اهتمام المشاهدين.
