ما أن يدخل الزائر قاعة المسرح المظلمة، حتى يهيمن عليه سحر أجواء تلك الأسطورة، أيقونة الفن والإلهام، من صوت شجي مشحون بالقوة والألم ورهافة الحس، إلى حضورها الآسر عبر الفيلم المعروض على شاشة خشبة المسرح. هذا ما تستشعره من أجواء السوبرانو الأميركية الجنسية اليونانية الأصل الراحلة ماريا كالاس (1923-1977)، عبر زيارتك فعالية "عالم ماريا كالاس" التي أقيمت مساء أول من أمس على مسرح دبي الاجتماعي ومركز الفنون، ضمن فعاليات أسبوع المهرجان الإيطالي الذي ينظمه مكتب الصناعة والتجارة الإيطالية في الإمارات.

فعالية الحدث شملت نبذة عن حياتها عبر فيلم تسجيلي عنها، ومن أحداثه إلى المدرج الذي تحول إلى منصة عرض لعشرة فساتين، استلهمت تصميمها الفنانة الإيطالية كاتيا غاغليارديني من أبرز أدوار كالاس في أغاني الأوبرا لتقدمها برؤية معاصرة، والتي اعتمدت في تنفيذها على خامات أقمشة من عصر كالاس، وكذلك الأمر بالنسبة لأسلوب الحياكة والتطريز، حيث بدا كل ثوب بمثابة قطعة فنية بحد ذاتها.

 

مصدر إلهام

ولا تزال كالاس التي أحيت وأضافت للشخصيات كافة التي أدتها في أدوارها على خشبة المسرح سواء في دور نورما أو فيوليتا أو توسكا، مصدر إلهام للكثير من الفنانين والباحثين والأكاديميين، ومن ضمنهم الصحافية الإيطالية المختصة في عالم الأزياء والجمال أليزابيتا إينفرنيشي، التي قدمت من خلال مشروعها (ماريا كالاس ميلانو) بحثاً ميدانياً عن حياة وعالم تلك المغنية التي تعتبر بمثابة (أيقونة) في عالم الفن والجمال، والذي شمل العديد من المحاور التي من بينها مشروع غاغليارديني.

 

البطة السوداء

ما لا يعرفه الكثيرون عن ماريا كالاس الإنسانة، أن الشهرة العالمية التي وصلت إليها، وحب وإعجاب ملايين الناس بها كفنانة وشخصية فذة، لم يتمكنا من تبديد حزنها الداخلي وشعورها الدائم بالوحدة والقلق. فحين كانت الأسطورة تأخذ أبعادها، كانت المأساة تحيك وجودها في العلاقة المعقدة مع والدتها، وفي ارتباطها بصوتها واعتمادها العاطفي المبالغ به على علاقتها بالملياردير اليوناني أوناسيس، وإجهاضها المحاط بالتكتم والألم والمهانة لدى زواج حبيبها من جاكلين كيندي أرملة رئيس الولايات المتحدة الراحل وهجرانه لها.

لم يكن سهلا على الأخت الصغرى ماري، الأكثر بدانة والأقل جمالا وفتنة من شقيقتها الكبرى جاكي، تقبل مكانتها ومنافسة أختها في الاستئثار بحب والدتها، حيث اعتقدت بأنها البطة السوداء، المنبوذة من الجميع.

 

نافذة الحلم

بدأت ماريا دروس البيانو عام 1930 وهي في السابعة من عمرها. وتروي والدتها اللحظة الأولى التي لفتت موهبتها انتباهها، "كانت ماريا في إحدى أمسيات شهر مايو تعزف على البيانو وتغني أغنية الأوبرا "لا بالوما" وهي في العاشرة من عمرها، والنوافذ مشرعة.

عندما وقفت أمام النافذة استرعى انتباهي حشد من الناس يقف مصغيا لغنائها، وحينما توقفت عن الغناء، صفقوا كثيرا وتفرق الجمع". وحينما كانت ماريا تحلم بأن تصبح طبيبة أسنان، كانت والدتها قد انتهت من رسم مصير ابنتها في أن تصبح ليس فقط مغنية، بل مغنية عظيمة، لا بل مغنية ذات شهرة عالمية. كانت الأم آنذاك تحلم بالسعادة والشهرة والمال، فمن خلال ابنتها ستحقق كل ما كانت تتمناه.

 دفعت الوالدة ماريا على طريق النجاح بحماس، ما جعلها تغفل عن احتياجات ابنتها العاطفية إلى الحب والحنان. كانت ماريا محرومة من الحب غير المشروط. ولم يمض وقت طويل حينما أدركت بأن صوتها هو سلاحها لاكتساب الحب والشعور بالاهتمام، وتقول ماريا في إحدى مقابلاتها النادرة التي لمحت فيها إلى حياتها الخاصة: "لم أكن أشعر بأنني محبوبة، إلا عندما أغني".