لا يبدو أن وعود "التقارير" الوردية المتعلقة بالتلفزيون المدفوع، والتي انتشرت في السنوات الماضية، مع بداية العقد، كانت على قدر كبير من الجدية. وإذا كنت من هواة توثيق هذه النوعية من الدراسات، فإن الرجوع إلى مجموعة من التقارير والمقالات المنشورة حول أهمية التلفزيون المدفوع وكيف سيوجه "الضربة القاضية" للتلفزيون المجاني، ستجعلك، بلا شك، تضحك.
لقد تغيّر الوقت، وبات كل شيء متاحا، من الهاتف الى الانترنت، مرورا بوسائل أخرى. كما ان هناك سببا آخر يجعل الناس يقبلون اكثر على التخلي عن التلفزيون المدفوع، إن كانوا قد جربوه، وهو سبب، للأسف، في عمقه يفتقد الى مراعاة القانون والاخلاق: القرصنة.
يشير تقرير حديث لشركة "انفورما" للاتصالات والاعلام، أن حجم الخسائر التي تتكبدها شركات التلفزيون المدفوع في المنطقة تصل الى 1.83 مليار درهم في السنة (ما يعادل نصف مليار دولار)، جراء أعمال القرصنة في أسواق كثيرة، على رأسها لبنان ومصر.
وتشير الدراسة الى أنه من بين كل الأسر التي تشاهد التلفاز في العالم العربي، هناك فقط 8% تدفع مقابل الحصول على البث، في سوق تسيطر عليه مؤسسات التلفاز العملاقة. ويبدو أن هذه النسبة لن تشهد تحولات دراماتيكية خلال السنوات الخمس الماضية لجهة النمو، فتوقعات "انفورما" تشير الى نمو قليل، إذ سيصل عدد تلك الاسر المشتركة الى 10% بحلول 2016. وهذا يعني 5.3 ملايين مشترك بخدمة الدفع مقابل البث، فقط.
في هذا السياق، يقول نيك توماس، وهو محلل رئيسي في "انفورما": لا نتوقع نموا كبيرا. إنه بطيء".
وتسيطر شبكات مثل "الجزيرة" على هذا النوع من الاعلام، باحتكارها حقوق بث المباريات الرياضية لكأس العالم ومناسبات عملاقة أخرى، وهو ما يجعلها، بحسب "انفورما" الأكبر في المنطقة، مع 1.85 مليون مشترك بحلول 2016.
وقد حقق، من جهة أخرى، اندماج شبكتي "أوربت" و"شوتايم" نتيجة اجمالية لعدد المشتركين وصلت الى 552 الف مشترك، مم المتوقع وصولها الى 995 ألف مشترك بعد خمس سنوات، الا أن هذا النمو لا يعتبر كبيرا قياسا بعدد مشاهدي البث المجاني، وتوازيا مع استعداد الناس المتزايد للتخلي عن التلفزيون المدفوع بعد تجربته لفترة:" فرص التلفاز المدفوع متوفرة بشكل كبير في الإمارات وقطر، لكن دولا أخرى فيها نمو ضئيل"، يقول توماس.
ويشير الخبراء ان القرصنة مسؤولة عن السبب الرئيسي لانخفاض نمو التلفزيون المدفوع في المنطقة:" الافتقار الى القوانين الرادعة والتشريعات الملزمة يجعل مسألة القرصنة تتفاقم".
ويقدر الخبراء ان شبكات التلفزيون المدفوع تتكبد 500 مليون دولار سنويا، كخسائر، هي قيمة الاشتراكات التي تذهب الى الشركات المشغلة لكابلات القرصنة، بدل أن تصل الى الشركات الاصلية صاحبة حقوق البث. وتتركز القرصنة بشكل رئيسي في أسواق مثل لبنان حيث كل القنوات الفضائية، تقريبا، تصل الى البيوت عبر الكيبل المقرصن، الامر الذي يكبد الشركات 123 مليون دولار خسائر. أما في السوق المصري، فتبدو الصورة فادحة للغاية، مع وجود 10 ملايين أسرة تتلقى البث عبر وسائل مقرصنة.
وقد قام بعض الشركات مثل "أو اس أن" (أوربت شوتايم) التي تتخذ من دبي مقرا لها، بإجراءات وقائية، في محاولة السيطرة على ظاهرة القرصنة، وهي تزويد بثها بتقنية تمنع استقباله الا عبر الأدوات الشرعية، الا أن القرصنة لا تزال تتم على الأجهزة والبطاقات التي تفك "الكودات"، بحسب ما يؤكد سكوت باتلير، وهو رئيس رابطة "ضد القرصنة": صناعة التلفاز تتعرض لقرصنة من جميع الجهات، هذا أمر لا يصدق!
