متى نمتلك برامج أوبرالية حوارية، أو ما يطلق عليها "التوك شو" نحكي فيها عن قضايانا المجتمعية وما تحمله من إزعاج صحي.. نذكر فيها أوجه التغيير التي باتت تؤثر على يومياتنا، مساهمة في تحريك المياه الراكدة من جنبات القصص والأحداث، والتي تحتاج إلى محاكاة حقيقية لنبض الشارع الإماراتي، عبر إثارتها ومعالجتها، دليل ذلك ما أثرته تلك البرامج في بعض مجتمعاتنا العربية، وما ذهبت إليه الإعلامية الأميركية أوبرا وينفري عبر برنامجها الذي ساهم في تغيير حياة أشخاص ومجتمعات، ما يدعونا الى ضرورة تعزيز قنواتنا المحلية ببرامج حوارية تناقش هموم المواطن البسيط وتتلمس احتياجاته ومتغيراته وقضاياه؟ وأين هي من خارطة الدورة البرامجية؟ وما المعايير الفعلية الى نجاحها؟.. والمعد المحلي ودواعي ابتعاده عنها؟ تساؤلات وغيرها حملتها "البيان" الى مختصين في العمل الإعلامي المرئي المحلي، ليؤكدوا لنا أن تقصير الإدارات التلفزيونية المحلية وتجنبها من وضع البرامج الحوارية ضمن خارطتها يأتي ضمن التغير الكامل لشكل الإعلام التلفزيوني الحديث، وافتقادنا ثقافة الاختلاف والرأي الآخر، وما تشكله هذه البرامج من إثراء تفاعلي للقضايا المجتمعية التي يسميها البعض "إزعاجا"، وتكاسل المعد الإماراتي عن بذل مجهود أكبر للعمل فيها وتطويرها. تفاصيل أكثر يحملها التحقيق التالي..

وجودها مسؤولية

يقول إبراهيم الأحمد مدير قناة أبوظبي الأولى: "نوعية الأفكار الموضوعة في البرامج الحوارية أهم ما نحتاج تفعيله لاستمرار هذه النوعية من البرامج ونجاحها"، متصورا أن الموضوع غير مطروح في مختلف أجندة القنوات الفضائية المحلية، ويرجع السبب في كونها تصنع نوعا من الإزعاج أو الضجيج لجرأتها، وقدرتها على الحديث عن المسكوت عنه أو المغلوط، كالظواهر السلبية واحتياجات المجتمع من قضايا إنسانية أو خدمية أو ما يمس الثقافة العامة. ويعتبر الأحمد أن وجودها ضروري، ومؤثر، ولكنها متوقفة على النوعية التي يتم فيها طرح المواضيع، وحاجتها الفعلية الى مستوى حرفي من الإعداد، موضحا أن الأمثلة عديدة على هذه البرامج ومنها ما يذاع في مصر مثلا، ومهما اختلفت المجتمعات وطريقة استقبالها لهذه البرامج، يبقى وجودها مسؤولية.

ظل الكلام

وأوضح ماجد محسن ردا على سؤال حول تجربته في تقديم برنامج حواري متخصص في القضايا المجتمعية، ومعايير مقدم هذه البرامج المتخصصة بأن هناك قائمة طويلة من المعايير التي يتقاطع معظمها مع الشروط الواجب توافرها في أي مقدم برامج، مستطردا: "من واقع تجربتي العملية مع برنامج "ظل الكلام" الذي كان يعرض على تلفزيون دبي، فإنني أعتقد أن تناول القضايا المجتمعية تأتي بالرصد والمتابعة والتحليل"، وتعتبر الجرأة في مواجهة الآراء النمطية السائدة، والمثابرة على رصد الظواهر الاجتماعية، والقدرة على التعايش مع النقد أهم معاييرها، معتبرا أن تواجد عنصر أو عنصرين مواطنيّن جيّدين في فريق إعداد يتشكل من 6 أو7 أفراد يمكن أن يكون له تأثير إيجابي بعيد المدى لجهة طرح المواضيع بطريقة أقرب إلى واقع المواطن الاماراتي.

ويرى محسن أن المشكلة تكمن في غياب العناصر الجيدة للعمل في هذه البرامج. وهي برأيه ترجع إلى مشكلة التخطيط تماما، كما هي مشكلة قيم مجتمعية سائدة كونها تميل إلى تعريف النجاح من منظور الجهد مقابل المردود المادي بمعزل عن ماهية العمل وقيمته، لافتا الى أن خلق قاعدة من الصحافيين التلفزيونيين الاماراتيين مهمة ليست مستحيلة على الاطلاق، شرط المزاوجة بين النوايا الحسنة والوعي والكفاءة الادارية في خلق هذه القاعدة، إضافة إلى العمل على تعزيز مفهوم قيمة العمل في المجتمع.

وجبات خفيفة

ويرى عيسى الميل مدير قناة أبوظبي الإمارات أن هذه النوعية من البرامج توزعت عبر فقرات وفواصل في برامج متعددة، مشيرا الى أن المسألة حاليا اختلفت عن سابقتها، فقد تحولت هذه البرامج إلى فقرات في برامج، وافتقدت جرعتها المركزة لتصبح وجبات خفيفة، مرتئيا أنه مع التخصص في طرح البرامج، فالملاحظ حاليا عبر الفضائيات، أنها اتجهت إلى التخصيص، مثلا ما يختص القضية الصحية في الإمارات، أو المشكلات الأسرية أو غيرها، أصبح لكل منها برنامج خاص ومنفصل. وأكد الميل أن معايير البرامج المحلية متوقفة أولا على اختيار المواضيع، وعلى أن يكون معدوها والقائمون عليها 100% إماراتيين، معتبرا أننا لا نستطيع أن نقدم أنفسنا بوجبة مثل "كنتاكي"، وعبارته في ذلك "طبخة أمي غير".

حلقة وصل

ويقول عبدالله السركال مراقب برامج في قناة سما دبي الفضائية: إن الإعداد يعتمد على معيارين هما الزمنية والثقافة، والمعد الإماراتي لا يتعب نفسه في هذا المجال، مؤكدا أن مهمة المعد هي الأصعب، ولا تتوقف عند مسألة الكتابة فقط، ولكنها تحتاج إلى زيارات ميدانية متعددة وملامسة تفاعلية لهموم المجتمع وما يحتاجه، ويعتمد الإعداد في منظومته على معيارين هما: الزمنية من خلال تنفيذ جدولة برامجية معدة مسبقا، تزامنا مع ثقافته ووعيه بطبيعة المواضيع المطروحة وتاريخها، مشيرا الى أننا نملك أقلاما جيدة في مجال الإعداد، ولكنها لا تعمل بشكل جيد على نفسها أبدا، وهي بحاجة لامتلاك حلقة وصل بينها وبين واقع الشارع ، كاشفا أن من الصعوبات التي تواجه التلفزيون في قضية المعدين هي ارتباطهم بوظائف وعملهم متعاونين في العمل التلفزيوني، ما يشكل تقيدا فعليا لحركتهم وعملهم.