هل لنا أن نتخيل صم يرقصون على ايقاعات الموسيقى دون سماعها؟ تلك ليست معجزة وإنما حقيقة جسدها مجموعة من أطفال مركز راشد لعلاج ورعاية الطفولة ممن سلبتهم الحياة نعمة السمع، ولم تساعدهم على نطق الكلمات، ولكنهم رغم إعاقتهم استطاعوا الخروج من عباءة الإعاقة، والانطلاق نحو الحياة بأمل يحدوهم في كل خطوة، ليتغلبوا بذلك على مصاعب الحياة، وليطلقوا العنان لموهبتهم في الرقص على إيقاعات الموسيقى، رغم عدم سماعهم لتفاصيلها، بعد اعتماد مركزهم للموسيقى كطريقة علاج.
عرض راقص
قبل أيام قدم زيد الحق وآشر حسين ومجموعة من رفاقهم، عرضاً راقصاً بينوا فيه مدى قدرتهم على الإحساس بالموسيقى دون سماعها، كان ذلك أمام ما يقارب الألف شخص جاؤوا جميعاً لعيش لحظات مع النجم الهندي شاروخان ابان زيارته لدبي، ولكنهم تفاجأوا جميعاً بعرض هؤلاء الأطفال الذين استحقوا من الجميع وقفة طويلة مليئة بالتصفيق والتشجيع. لم تلفت هذه المجموعة نظر الجمهور فقط وإنما شاروخان نفسه الذي صعد إلى المسرح، وشاطرهم الرقص على ايقاعات أغنية قدمها شاروخان وزملاؤه في فيلم را وان، وهو ما اعتبره الأطفال بمثابة خطوة دعم لهم ساهمت في رفع معنوياتهم، كما شجعتهم على تكرار الرقصة مرات عدة، بإلحاح من شاروخان وزملائه.
لم تكن تلك الرقصة هي الأولى لهم، فقد سبق وأن شاركوا في أحداث كثيرة من ضمنها تلك التي تقام في رواق مركز راشد، وقد اعتادوا قبل أي عرض أن يتدربوا عليه لدرجة الاتقان، وهو ما سهل اندماجهم في المجتمع الذي قد لا يصدق ما يقدمونه من عروض. رقصات الأطفال هذه لم تكن لمجرد اللهو فقط، وإنما شكلت جزءاً من علاجهم، حيث يعتمد المركز الموسيقى والحركة الدرامية طريقة لعلاج الأطفال وإخراج مواهبهم وتنميتها بحسب ما قاله استاذ الدراما الحركية في المركز محمد يونس، والذي أضاف: نحن نعتبر أن الموسيقى قادرة على إعطاء الطاقة والثقة بالنفس لمثل هذه الحالات، ولذلك فنحن نركز كثيراً عليها أثناء عمليات التدريب، ونحاول اعطاء الفرصة لأي طفل منهم لأن يبتكر الحركة أو الرقصة التي يفضلها، لأن ذلك يعني بداية استخدامه لملكاته العقلية التي قد يتفجر عنها الكثير.
تفاعل ملحوظ
أثناء زيارتنا للمركز كان محمد يدرب مجموعة من الأطفال على رقصة اليولة المحلية باستخدام ايقاعات إحدى الأغنيات الشعبية، ورغم عدم اتقان الجميع لها، إلا أن أبناء تلك المجموعة أبدوا تفاعلاً ملحوظاً مع حركات الرقصة، وعن ذلك قال محمد: استخدامنا للموسيقى وتدريب الأطفال عليها نابع من توجهنا لإثبات قدرتهم على الاحساس بالموسيقى دون سماعها، ويرتفع قدر هذا الإحساس كلما زاد تفاعل الجمهور مع هؤلاء الأطفال، وتابع: قبل أي عرض نحرص على مشاهدة الأطفال لأي مقطع فيديو أو صور للرقصة التي سيؤدونها لأن ذلك يساعد كل فرد منهم على تخيل وضعيته ومكانه في المجموعة، وبالتالي تحفيزه على الأداء الجيد.
تحفيز الابتكار
لا يتوقف استخدام الموسيقى في هذا المركز عند حدود الطاقة التي تمنحها للأطفال المعاقين، وانما تساهم بتعريفهم باختلاف الثقافات، خاصة وأن أطفال المركز ينحدرون من جنسيات مختلفة، وهو ما أكده محمد يونس بقوله: نحاول أن نهيئ الأجواء قدر الإمكان أمام هؤلاء الاطفال من حيث الديكور والملابس والتي تتناسب مع الإيقاع الذي نختاره، وفي كل مرة نحاول أن نختار ثقافة معينة حتى نبين لهم وجود ثقافات مختلفة في المجتمع ويجب علينا احترامها، كما نحاول من خلال ذلك تحفيز حبهم للمجموعات، وأشار إلى أنه في بعض الأحيان يترك الطفل حراً لابتكار الحركة التي يريدها لتحفيز عملية الابتكار لديه.
