تناهت إلى أسماع الضيوف نغمات بيانو تتصاعد بعذوبة في ردهات فندق انتركونتيننتال فيستيفال سيتي، خلال حفل تكريم أقامته وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع لشركائها صباح أمس، وسرعان ما توجهت العيون نحو ذلك الركن الساحر الذي تنبعث منه نغمات وترية لأغنيات فيروز وأم كلثوم وغيرها من الموسيقى الناعمة.
فقد كان الشاب الإماراتي إبراهيم الجنيبي يعزف بمهارة فائقة، مدركاً أن سحر آلته نفذ إلى أعماق الحاضرين، فتحلقوا حوله المعجبون، ولم يتوان بعضهم عن استخدام هاتفه النقال لالتقاط صورة الشاب الموهوب.
إبراهيم الجنيبي، أحد الدارسين في مدرسة البيانو التابعة لوزارة الثقافة في العاصمة أبوظبي، قال إن تعلم العزف في مجتمعنا المحلي وخاصة الموسيقى الكلاسيكية والآلات الغربية لا يزال بعيداً عن الذائقة المحلية، مبينا أنه يملك ما يزيد على 20 معزوفة خاصة به، ويود تقديمها في مختلف الأنشطة والإنتاجات الموسيقية كالإعلانات والأفلام السينمائية والمسلسلات المحلية.
مندهشا أن مخرجين إماراتيين يستخدمون معزوفات عالمية في أفلامهم، رغم وجود شباب عازفين إماراتيين يستطيعون تقديم موسيقى تناسب تلك الأفلام. ويتمنى الجنيبي أن يكمل دراسته في هذا المجال ليصبح مؤلفاً موسيقياً. وأضاف ان تعلم الموسيقى والعزف ثقافة تحتاج إلى عملية تدرج أثناء توجيهها الى مجتمعنا، ليسهل تقبلها.
ما قاله إبراهيم الجنيبي، دفعنا إلى جملة أسئلة وجهناها إلى مسؤولين في المؤسسات الثقافية المحلية: أين نحن من ثقافة تعلم العزف على الآلات الموسيقية، وما سبب بعد العازف المواطن عن الثقافة اليومية، وأين دور المدرسة في تعزيز الثقافة الموسيقية؟
حلم الفرج
قال الموسيقي المخضرم عيد الفرج انه لاتزال عقدة العادات والتقاليد تسري في ذهن الأفراد في مجتمعنا تجاه رفض الموسيقى، فكيف بعزفها، مبينا أنه خلال عمله في وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، سعت الوزارة الى إنشاء مختلف المدارس المتخصصة، كان نتاجها مركز الشارقة الموسيقي، ومدرسة البيانو.
وأضاف ان ما نحتاجه فعليا هو الاستفادة من الطلبة الدارسين بعد تخرجهم، لافتاً الى أن المشروعين ساهما في إنشاء قواعد انطلاق عازفين محليين، ولكن نحن بحاجة إلى جسر تفاعلي بينهم وبين المجتمع. وأوضح فرج أن القنوات التلفزيونية، وخاصة الغنائية منها، ساهمت في تشويه النظرة المجتمعية تجاه الموسيقى وتعلمها، بسبب ما يقدم من إسفاف، وقلة في جودة المعروض على مستوى الكلمة واللحن والصوت والصورة، معتبرا أن الحركة الموسيقية في الإمارات تحتاج إلى إعادة نظر.
حاجة جمالية وأخلاقية
وأشار وليد الزعابي مدير إدارة التراث والفنون ـ وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع ومدير مدرسة البيانو، الى أن الوزارة تسعى من خلال توفير مراكز متخصصة إلى تعزيز ثقافة العزف، وأهمية الموسيقى كحاجة جمالية وقيمة أخلاقية لتنمية الذائقة الحسية لدى الأفراد، فالموسيقى تحمل مرادفات ببعد إنساني، وقدرة على خلق مساحات فنية جديدة لممارسيها. وحول مدرسة البيانو، قال انها تضم ما يقارب 22 طالباً إماراتياً، ونظاما منهجيا مدرسا بفصول دراسية، مضيفا ان المدرسة سعت الى خلق بيئة جاذبة للطلبة من خلال توفير أساتذة من الجنسين.
معبرا عن أنه لاحظ تفاعلا نوعيا للأولياء الأمور عبر المشاركة والحضور، وهي إشارة واضحة على أن الوعي بتعليم الموسيقى أصبح يتدرج إلى مراحل متطورة ونوعية في مستوى القبول المجتمعي. «المقاعد في المدرسة لا تزال محدودة، ونسعى فعليا إلى زيادتها خلال الفترة المقبلة، ولكن باختيارات انتقائية لمواهب حقيقية». ثقافة مفقودة
حول الدور المدرسي في تعزيز نشاط تعلم العزف الموسيقي، عبرت شريفة موسى مدير إدارة الأنشطة الطلابية والمسابقات العلمية ـ وزارة التربية والتعليم، عن أن تطلعات الوزارة ضمن الخطة الاستراتيجية الموضوعة تسير في تعزيز الثقافة الموسيقية بصورة تفاعلية أكبر، مبينة أن ما يميز النشاط الموسيقي في المرحلة الحالية المنهجية الموضوعة عبر دليل المعلم، والتي كانت مفقودة سابقا، لأن النشاط الطلابي أحد أهم الوسائل التنموية التي تسعى الوزارة إلى تنشيطها، لدورها في رفع ذائقة الطالب تجاه أهمية التحصيل الدراسي، كون الموسيقى بالدرجة الأولى ثقافة ومتنفساً.
