العرض لم يكن من أفضل العروض التي قدمت أوبرا "فيغارو"، وشكل نوعاً من خيبة الأمل .. لسان حال ماقدمته دار الأوبرا الوطنية الإنجليزية لأوبرا "زواج فيغارو"، التي وضع موسيقاها الموسيقار الشهير موزارت، والمستوحاة من رواية للكاتب الفرنسي بيير بومارشيه، على خشبة مسرح كوليسيوم، وهو أكبر مسارح لندن.

وقد ألقت صحيفة "غارديان" البريطانية، في تقرير نشرته أخيراً، الضوء على ذلك العرض، الذي تولت إخراجه الممثلة والمخرجة المسرحية فيونا شو. وقد أثار العملان السابقان اللذان أخرجتهما شو للدار نفسها، وهما أوبرا "المنطلقون إلى البحر" للموسيقار فوغان وليامز وأوبرا "رثاء للعشاق الشباب" لهانز فيرنر، موجة واسعة من الإعجاب لإعطائهما مصداقية لمناطق لم تكن مستكشفة منهما. غير أن موزارت، من جهة أخرى، وضع شو في صلب فن الأوبرا للمرة الأولى، وقد كانت النتائج مضمونة بدرجة أقل.

إرباك بدلاً من التوضيح

وانطلاقاً من شعورها بضرورة التوسط بين القرن الثامن عشر والوقت الحالي، فقد عمدت شو إلى اتباع أسلوب الإرباك، بدلاً من التوضيح، منذ البداية. حيث كان تصميم بيتر ماكينتوش عبارة عن متاهة من الجدران البيضاء، تعلوها جماجم بقر البايسون. أما الملابس فأعطت إيحاء مبدئياً بالأجواء الإسبانية في القرن الثامن عشر، ومع اقتراب نهاية الأوبرا، تقدم الزمن، وظهر الممثلون بملابس عصرية.

وقد كانت شو ملمة بالعلاقة التي ربطت بين فيغارو (إيان باترسون) والكونت (رولاند وود). إذ أن انعدام ثقة كل منهما برجولته خفف من وطأة عدائهما، ودفعهما الى التحزب ضد تشيروبينو (كاثرين ردج)، التي كانت في نظر سوزانا (ديفون غوثري) والكونتيسة (إليزابيث لويلين) امرأة جذابة. إلا أن شو بالغت في عرض قضيتها ضد العدوان الذكوري من خلال تسخير عدد كبير من الإيحاءات حول "الإنسان كحيوان" و"الإنسان في مواجهة الحيوان". حيث عمد فيغارو إلى الاحتفاظ بفخ للدببة في غرفة نومه للإيقاع بالدخلاء، وتزوج مرتدياً سترة مصارع ثيران. أما الكونت، الذي كان صياداً، فقد انتهك حرمة حمام زوجته من خلال أمر حراس منطقة الصيد الخاصة به بوضع خنزير مربوط على أرضيته.

نحو تطفلي

لكن المشكلة الحقيقية تمثلت في اكتظاظ العمل بالحركة على نحو تطفلي. فقد استمرت المنصة في الدوران من غرفة إلى أخرى، حيث كان عدد لا يحصى من الكومبارس يصدرون الضجيج، وكان كل شيء يسمع أو يرى من قبل الآخرين. وقد كان الهدف من ذلك تصوير عالم تستحيل فيه الخصوصية، ويعد التجمهر فيه أقصى درجات الوحدة. ولكن اقتران غناء الكونتيسة الرائع في الفصل الثالث من المسرحية بمجموعة من الراقصين الذين كانوا يتمرنون على رقصة إسبانية لتتم تأديتها في عرس فيغارو، ربما دفع المشاهد للتساؤل عما إذا كانت شو تشك في قدرة الموسيقى على حمل الوزن العاطفي دون الحاجة لمساعدة. لقد كان أداء لويلين لدور الكونتيسة خاطفاً للأنظار. وكان صوت باترسون الحازم مناسباً لمواجهة نعومة وود المداهنة. وكانت غوثري أنيقة وجميلة، وردج مهذبة بشكل حسي. واتسمت قيادة المايسترو دانييل بول بالدقة والعناية. ولكن العرض لم يكن من أفضل العروض التي قدمت أوبرا "فيغارو".