«عَ العصفوريّة وصّلني بإيدو (بيده) وما طلّ عليِّ، عَ العصفوريّة يا بَيّي»، بكلمات أغنيّة الشحرورة صباح، يبدأ الفيلم الوثائقي للمخرجة اللبنانية كارول منصور «كيف حالَك؟ كيف حالِك؟» (مدّته 36 دقيقة)، الذي عرِض، أخيرا، على شاشة «مسرح المدينة» في بيروت، بتمويل من منظّمة «أطباء بلا حدود»..، علماً أنه ليس دراسة علمية طبيّة عن الأمراض النفسية المنتشرة في لبنان، وليس تحليلاً إحصائياً، ولكنه يتجاوز الكثير من الحواجز الواهية المغلفة تحت إطار المحرمات المجتمعية (وهي غير حقيقية بالأصل- بل وهم)، وهي هنا (الصحة العقلية) والأزمات النفسية، حيث يتضمن قصص أشخاص وأسر وتجاربهم تظهرها المخرجة منصور بمقاربة إنسانية، تلقي الضوء على الوجع لتحفيز الناس على التحدّث لإزالته.

نبذة وحكايات

«العصفوريّة»، التي اقترن اسمها لبنانياً بــ«المصحّ النفسي»، هو اسم محلّة في منطقة الحازمية في شرقي بيروت، غنيّة بالعصافير والأشجار، وهناك أنشأ السويسري تيوفيلوس فالدمايير، في أواخر القرن التاسع عشر، المستشفى الأول للأمراض العصبيّة في لبنان، لاستقبال ورعاية الأفراد الذين يعانون من اضطرابات عقليّة أو نفسيّة، وكان يسمّى بــ«مستشفى الأمراض العصبيّة في العصفوريّة». ويبدأ الوثائقي بنبذة تاريخية عن «العصفوريّة» وصور لمبناها المقفل في منطقة الحازمية، ثم مقابلات مع عدد من المتخصّصين في الطب النفسي والتحليل النفسي وعلم النفس، إلى حكايات شخصية، بدءاً من شهادة لفتاة أخفت وجهها لتقول إنها تعاني نفسياً بسبب مشكلات مع عائلتها، مروراً بأخرى تروي قصة أخيها المصاب بانفصام الشخصية منذ 29 عاماً، ووصولاً إلى أم تتحدث عن ولدها المتوحّد وكيف كانت عيناه لا تواجه عيناها، ولا تراه يبتسم، وأخرى ترى طبيباً نفسياً بسبب قصة حب.

صحة عقلية

وفي الفيلم، يؤكّد الطبيب النفسي ربيع شمّاعي، أن جميع الأشخاص معرّضون لضغوطات نفسيّة، لا تحتاج في معظم الأحيان إلى استشارة أو تدخّل طبيّين، كالتي تستوجبها الأمراض النفسيّة أو العقليّة.. أما الاختصاصية النفسيّة علا عطايا، فتتحدّث عن الخلاف حول تعريب مصطلح Mental Health، فالبعض يستخدم تعبير «الصحة العقليّة»، والبعض الآخر يستخدم تعبير «الصحة النفسيّة» بسبب الوصمة الاجتماعيّة للأمراض النفسيّة والعقليّة، وفق قولها.

وبحسب مخرجة الفيلم كارول منصور، تشمل الاضطرابات النفسيّة الأفراد الذين يعيشون في عالم خاص بهم، أو الذين يعانون من الاكتئاب أو القلق المزمن أو الفصام أو اضطرابات عقليّة. وتشير إلى وجود «فرق» بين الضغوطات النفسيّة والأمراض النفسيّة، لافتة إلى أن الفرد اللبناني ما زال يخشى الإفصاح عن اضطراباته النفسيّة أو عن حاجته لاستشارة طبيب نفسي، خوفاً من الحواجز الاجتماعيّة التي تصنّف الاضطراب النفسي بـ «العيب أو الجنون».

ويلمح الفيلم، إلى أن الكلفة المرتفعة للعلاج النفسي في لبنان تشكّل العائق الأبرز لعدم حصول المريض على الرعاية والعلاج المناسبين، حيث تتراوح كلفة الجلسة الواحدة للتحليل النفسي بين ستين ومئة دولار، أي ما يتراوح بين ستة وعشرة آلاف دولار في السنة، إن كان المريض يحتاج إلى جلستين في الأسبوع. كما تبلغ كلفة الزيارة الواحدة لطبيب نفسي ستين دولاراً، أي ما يعادل ستمئة دولار إن كان المريض يحتاج إلى عشر زيارات في السنة.. علماً أن لبنان يعاني من نقص في عدد الاختصاصيين والأطباء النفسيّين وفي عدد المستشفيات الخاصة لرعاية المرضى، وخاصة للذين يحتاجون إلى علاج طويل الأمد، ذلك أن مستشفيات الأمراض العصبية الثلاثة في لبنان لا تستوعب الأشخاص الذين تترافق لديهم الاضطرابات النفسيّة مع مشاكل جسديّة أو فيزيولوجيّة.