لعبت الدراما الإذاعية دورا نوعيا في تنمية ذائقة المجتمع فكريا وحياتيا، ما كان له الأثر في إثراء هذا الفن الذي صنع جمهورا عريضا يهوى متابعة "الراديو"ليكتسب أهميته في بيوتنا على مدار سنوات عايشنا فيها أهمية المسلسلات العربية التي لطالما ارتبطنا بها وجدانيا وحياتيا .
واليوم وبعد توفرمحطات إذاعية مختلفة ،حكومية وخاصة، بدا إنتاج المسلسلات الإذاعية محليا شبه غائب ولامحل له من الإنتاج ، فيما يؤكد متخصصون في المجال أن الدواعي ترجع إلى كثرة إذاعات الموسيقى وإيقاعها السريع، وعدم تواجد سوق إنتاج للمسلسلات الإذاعية، وإلغاء أقسام الدراما إذاعيا، لتكون الكعكة الدرامية من الإنتاج وحدها لسوق الدراما التلفزيونية ، ومعها اختفت المسلسلات الإذاعية. استطلعنا آراء إعلامية متباينة شخصت ظاهرة غياب الدراما الإذاعية وسطوع نجم التلفزيونية عنها والحلول.
سوق إذاعي
تقول خديجة المرزوقي مدير إذاعة دبي الجديدة : " غياب سوق إنتاج المسلسلات الإذاعية، الذي تلعب الإذاعات دورا في عدم تفعيله يعد سبب تفاعليا لتحقيق مسألة إعادة تجديد حضور الدراما الإذاعية"، مبينه أن الممثلين والمؤلفين أيضا انشغلوا بالدراما التلفزيونية بشكل أكبر ما خلق موجة اختفاء الدراما الإذاعية، مضيفة: بوجهة نظر شخصية تؤمن بأهمية وجود هذه الصناعة كون القصة والحبكة الدرامية الإذاعية هي الأقدر على نقل الفكرة للمستمع من الإعلان المباشر ، إلا أنه حاليا منصب على اجتهادات فردية من قبل الإذاعات. ولفتت المرزوقي الى أن كثرة الإذاعات الموسيقية الترفيهية ذات الرتم السريع أدى إلى تجاهل فكرة الدراما الإذاعية بنواحيها التوعوية والتثقيفية، بالإضافة إلى روحها الترفيهية.
فن درامي
خالد بدر مدير إذاعة دبي AMسابقا، الذي عاصر موجة المسلسلات الإذاعية، وحضر مشهد ضمورها، يقول : " الدراما الإذاعية.. فن درامي يمتلك خصوصية يستطيع صانعها خلق أجواء لا محدودة من الشخصيات والأماكن والأزمنة، عبر حاسة الصوت المشوقة التي لا يستطيع التلفزيون أو السينما تفعيلها"، وبين أن المسلسل الإذاعي يعمل على أهداف منها: نقل التراث والتاريخ من شعوب مختلفة ومعايشتها، توصيل رسائل اجتماعية وأخلاقية وقيم إنسانية، إلى جانب دوره في الترفيه والتسلية، موضحا أن السبب الأساسي في اختفائها هوعدم وجود أقسام الدراما في مختلف الإذاعات حاليا، ما يشير إلى عدم اهتمام الإدارات في الإذاعات بتنمية هذه الثقافة الفنية النوعية.
وأكد بدر أن الدراما التلفزيونية أكلت النصيب الأكبر من كعكة الإنتاج وعمل المنتجين الذي أصبح منكبا على توفير المسلسلات للتلفزيون، مشيرا الى أن العملية هنا بدأت تتجه إلى قضية المردود المادي وطبيعة اختلافه بين الاذاعة والتلفزيون. " فعليا أختفى الفعل الاجتماعي البارز في الإذاعة، نفتقد للمقابلات المتخصصة والتقارير الميدانية، وخروج المذيع للشارع لحمل قضية عبر تقديم وجبة صوتية تساهم في تفعيل التغير للأفضل".
الفنان عبدالله صالح مؤلف وكاتب نصوص إذاعية، قال عن تجربته الإذاعية، " في الحقيقة معايشتي للكتابة الإذاعية وخصوصا في مجال الدراما، تبين مدى علاقتي مع الميكرفون، كونها ممارسة واحتكاك مباشر مع مختلف فئات المجتمع"، كتبت مختلف النصوص ذات البعد الاجتماعي بالدرجة الأولى ومنها: صورة غلط، عيال الكحيان، البحث عن وظيفة، أمثال أمثال، وتحدث الأخيرة كونه كتب فيها ما يتجاوز الـ 90 حلقة في ثلاث أجزاء، وهي عبارة عن اختياره لمثل شعبي وبناء عليه مادة إذاعية، معتبرا أن اختفاء قسم الدراما والتسجيل الداخلي للمسلسلات الإذاعية أدى إلى انقطاع الممثلين والمؤلفين عن الإنتاج الدرامي الإذاعي.
مؤكدا سبب غير معروف حول طبيعة تغير السياسات في إلغاء القسم. " عشت العصر الذهبي للفعل الدرامي الإذاعي، وحققنا فعلا توجها نوعيا في المجال، إلا أن قلة الاهتمام بالتطوير الدرامي والإذاعي في المتغيرات الحالية، أدى إلى شبه اختفاء لها".
سبونسر
راشد الخرجي إعلامي ومقدم برامج البث المباشر في الإذاعة، المتخصصة في تناول أهم القضايا الاجتماعية والتنموية. وفي سياق غياب الدراما الإذاعية، قال الخرجي إن الإذاعات اليوم لا تقدم عملا ضمن برنامجها دون توفر رعاة ( سبونسر ) للمادة المقدمة، معتبرا أنها إحدى التبعات العامة لأغلب السياسات الإذاعية في المنطقة في الوقت الحالي. وتابع الخرجي: " استهلكت المسلسلات الإذاعية مختلف القضايا الاجتماعية، وبدت غير ملفته للمستمع، ووجوب تطويرها وتحسينها وتقديمها بشكل مغاير". مضيفا أن الإذاعات تطلب مبالغ كبيرة لهذه الانتاجات، لذلك فإن متطلبها الأول تواجد الرعاة، بالإضافة إلى بعض التجارب الموجودة في بعض الإذاعات حاليا في إعادة بث بعض المسلسلات الإذاعية القديمة والتي تحسب للإذاعة في تنشيط هذا المجال.

