في منطقة "فيستفيل سنتر" الحديثة الطراز في دبي، ينطلق الفنر، ذلك الفانوس الذي طالما أضاء طرق الإمارات وبواديها ليحكي لنا قصة تأسيس مطعم ومقهى يحمل هذا الاسم الأليف "الفنر". البعض يتخيله ديكورات فيلم سينمائي سيبدأ التصوير فيه عما قريب، والبعض الآخر يتخيله متحفاً يفتتح أبوابه للتو، أما آخرون فيتخيلونه عش ذكرياتهم في سنوات التكوين والنشأة لبلد شق طريقه نحو حياة معاصرة . وعلى أضواء الفنر الخافتة، وبين جدران الطين المكسوّة بالحجارة المرجانية، وبذائقة المأكولات الإماراتية الأصيلة، يستعيد (مطعم ومقهى الفنر) ذكريات دبي .

هكذا تبدأ قصة هذا المكان، حين كانت دبي بلدة صغيرة هادئة ترقد على ضفاف شاطئ الخليج العربي، بصفوف من البراجيل، تحوطها واحات البادية التي تتناثر فيها الخيام وبيوت العريش التي يعيش فيها صيادو الأسماك والغوّاصون وتجار اللؤلؤ والعمال الحرفيون والبدو.

في تلك الأيام، كانت الجلسات الخارجية تطلّ على مشاهد مفعمة بالحياة في وسط البادية: فهذا راعٍ بدوي يمسح على رؤوس الجمال ويُطعمها، وهنا رجل كادح يقود حماراً يحمل على جانبيه صفائح معدنية معبئة بـ(الكاز) لتغذية مصابيح البلدة، ومن بعيد يثور غبار كثيف، ثم ينشق الغبار عن سيارة لاندروفر قادمة وهي تلهث بعد مسير طويل محمّلة بحاجيات السكّان. وأينما نظرت من حولك، رأيت الخيام وبيوت العريش ، حيث البراجيل والجدران الطينية المكسوّة بالحجارة المرجانية، وكذلك الأبواب الخشبية الكبيرة التي تزيّنها مسامير سوداء دائرية.

هذه القصة استحقت أن يُعلقها صاحب مطعم ومقهى (الفنر) هاشم المرزوقي على لوحة خشبية في الباحة الخارجية للمطعم الذي يمثل السوق. إنها أشبه ما تكون بحكاية من حكايات ألف ليلة وليلة. ليس المكان، كما يتخيل البعض مجرد مطعم، حتى أن أحد الزائرين دخل إلى المكان وراح يسأل: هل هذا متحف؟!

قام هاشم المرزوقي، وهو المهندس الإماراتي المتخصص ليس بالديكورات والتصاميم الداخلية بل في تصاميم مدن الملاهي، والحاصل على شهادة من أميركا في هذا المجال، وهو ما يُطلق عليه بالانجليزية (ثيم بارك)، بزيارة جميع الأماكن الأثرية والقديمة في دبي والإمارات من أجل أن ينشّط ذاكرته عن تراث الأسلاف.

 

تراث الإمارات

لماذا عاد (الفنر) إلى فترة الستينات بالذات؟

سؤال يراود كل من يزور المكان. وتأتي الإجابة على لسان المرزوقي:

(الستينات احتفظت بتراث الإمارات ، أما السبعينات فقد شهدت بداية التحولات، ولو عدنا إلى الأربعينات لما وجدناها لأن حياة البادية هي السائدة، وكان الناس يسكنون في البر، ولا يعرفون البراجيل، أو غيرها، حتى ان شكل البيت وطرازه بهذا الشكل المتعارف عليه لم يكن موجوداً).

تسترعي الناظر شجرة سدر كبيرة، ذات أغصان وارفة، ومورقة بالخضار.

ماذا تفعل شجرة سدر ضخمة وسط المطعم؟

تبدو حقيقية، ولكن المرزوقي أخبرنا أنها اصطناعية، ولكن الناظر لا يلمس ذلك بسهولة. الشجرة أساسية في البيوت القديمة، حيث لم يكن للمكيّف من وجود آنذاك، والناس كانوا يجتمعون تحت ظلال الشجرة الوارفة: يجلسون ويرقدون ويأكلون.

وأين وجدت هذه الصحون التي غابت عن البيوت الإماراتية؟

يجيبنا المرزوقي (وجدتها بعد بحث مضن، بحثت عنها في بيوت الوالد وبيت النابودة في الشارقة، واستوحيتها من بيت الشيخ سعيد في الشندغة، وزرت كل المتاحف وبحثت عنها حتى في الانترنيت، وحرصت على توفيرها لأنه لا يمكن أن نأكل في الصحون الحديثة ونحن نتحدث عن فترة الستينات).

وفي داخل المطعم، حرض المرزوقي أن يجسد تلك الأجواء من خلال الطاولات والكراسي.

من صممها؟

صممتها بنفسي، وتم تنفيذها في أندونيسيا، وهي على أنواع وأشكال مختلفة كما كانت في بيت الطواش، مصنوعة من خشب (التيك) وهو من أفضل أنواع الخشب. وبلغت تكلفة الديكورات نحو 5 ملايين درهم.

وفي جولتنا داخل المطعم نعثر على أدوات كلها قديمة : ساعات مدورة قديمة ، راديو قديم ، تلفزيون ستيني ومكوى "أوتي" تعمل بالفحم وأغطية مطرزة ، وحتى مشروبات تعود الى فترة الستينات مع صناديقها الخاصة ، مثل مشروب (مايتا) و(كولا) .

من أين وجدت هذه الأشياء القديمة؟

من الناس، من سوق العرصة وأسواق رأس الخيمة.

ويكتظ المطعم بالزوار والزبائن في آن واحد، يقول المرزوقي(في عطلة نهاية الأسبوع، يقف الزبائن في طوابير للدخول إلى المطعم).

وماذا عن أسعار الأطباق الإماراتية، هل هي في متناول الجميع؟

إنها معتدلة، أسعارنا أرخص من أغلب المطاعم .

وهناك زاوية في المطعم، تُعرض فيها علب خاصة تحمل (براند) أو ماركة مطعم الفنر: القهوة العربية، اللبان، التمر، أنواع المكسرات، الأعشاب، الدارسين، القزبرة المجففة، والتوابل الإماراتية.