مع اقتراب الموسم الرمضاني في كل عام تتنافس شركات الانتاج على تقديم أعمال كوميدية مختلفة، تحاول من خلالها الموازنة مع ما تقدم ذات الشركات من أعمال درامية يهيمن على بعضها طابع الحزن والشجن أو قصص الحب.

خليجياً يتفق أغلب المنتجين والممثلين على أن المسلسلات الكوميدية وطبيعة حضورها على الشاشة هي الأكثر متابعة وتأثيرا على النفس. وبالنظر لعمر المشهد الكوميدي فإنه أحرز تقدماً ملحوظاً على مستوى طرح القضايا الساخنة وتقديم الاقتراحات في خطوة لمعالجتها. في حين طغت عليها سمة الجرأة والتي ظهرت في مستوى تفاصيل الأطروحات والإشكاليات المجتمعية المعبر عنها في سيناريو النصوص المعروضة والتي عادة ما يطلق عليها بالخط الأحمر أو ممنوع الاقتراب لإثارتها كونها تشويه أو مساس بمنظومة خصوصية الأفراد في البيئة الخليجية.

الكوميديا السورية كان لها حضور واضح على الشاشة، فمن بين 23 مسلسلاً انتجتها الدراما السورية لهذا العام، برزت مجموعة من الأعمال الكوميدية هي: الخربة، ويوميات مدير عام 2، ومرايا 2011، وبقعة ضوء 8، وصايعين ضايعين، والملاحظ أن أسماءها مكررة، وبعضها جاءت نسخة مطابقة لما عرض في السنوات السابقة، وهو ما قادها إلى قفص الاتهام بأنها تفتعل الضحك بعيدا عن كوميديا الموقف على اعتبار ان الأعمال الكوميدية تهدف في النهاية إلى إدخال الفرحة إلى قلوب المشاهدين وترسم البسمة على وجوههم، ولذلك فالبعض يعتبرها وجبة خفيفة تقدمها الشاشات بين عديد المسلسلات الدرامية.

 

يوميات مدير عام

من أشهر الأعمال الكوميدية السورية هذا العام هو الجزء الثاني من مسلسل "يوميات مدير عام" بطولة الفنان أيمن زيدان، وأخرجه زهير قنوع، والذي عاد إلى الشاشة بعد 15 عاماً من عرض الجزء الأول، وفيه حاول زيدان الكشف بطريقة كوميدية اعمال الفساد والبيروقراطية الموجودة في بعض المؤسسات، ولكن هذا المسلسل لم ينجو من الانتقاد، حيث شن عليه نشطاء الفيس بوك هجوماً عنيفاً بعد قيامهم بإجراء مقارنة بين الجزء الأول والثاني، معتبرين أن الأول كان أفضل بكثير من الثاني رغم نقاوة صورته، واعتبروه مخيباً للآمال وانه اعتمد على التهريج وحركات الوجه والجسم أكثر من الموقف المضحك، علماً بأن الجزء الأول من "يوميات مدير عام" أحدث ضجة كبيرة لدى عرضه قبل أكثر من 15 عاماً و أخرجه حينها هشام شربتجي.

بعد غياب طويل أطل الفنان ياسر العظمة علينا من خلال لوحات كوميدية جديدة يستعرضها في مسلسله "مرايا 2011" الذي اشتهر بتقديمه خلال السنوات الماضية وحقق فيه نجاحاً لافتاً، إلا أن الجزء الجديد الذي يعرض حالياً فشل في تحقيق أي نسبة متابعة، وسجل أقل نسبة مشاهدة مقارنةً بالأجزاء السابقة رغم الدعاية الكبيرة والميزانية العالية اللتين حظي بهما، وهو ما يعني أن العظمة فشل في إعادة الألق إلى "مرايا" هذا العام، وفشل العمل مرده احتوائه على العديد من اللوحات الساخرة التي قُدمت خلال الأجزاء الماضية.

 

بقعة ضوء

وشهد هذا الموسم جزءا ثامنا للسلسلة الكوميدية "بقعة ضوء" والتي عاد فيها الثنائي الكوميدي باسم ياخور وأيمن رضا معاً. مخرج العمل عامر فهد اعتبر أن الجزء الثامن "ينبض بإحساس الشارع"، والمتابع له سيلاحظ فيه اختلافاً يعيد بعض أجواء الأجزاء الأولى من السلسلة الشهيرة، رغم أنه ـ أي الجزء الثامن ـ لا يزال يفتقد للروح الجماعية ذاتها التي صنعت الجزأين الأول والثاني، والتي جمعت نجوم الدراما السورية.

سمعة مسلسل "الخربة" سبقت عرضه. وقد جاءت من السمعة الطيبة لفريقه الفني الذين أنجز "ضيعة ضايعة". شهد المسلسل الذي يقدم كوميديا خفيفة تولد من صراع عائلتين في إحدى القرى، عودة الفنان الكوميدي الأول دريد لحام إلى الشاشة، ورغم أنه قوبل بحملات فيسبوكية تطالب بوقف عرضه مدعية بأنه أساء للطائفة الدرزية، إلا أنه من الواضح أن هذه الحملة لم تؤثر كثيراً على نسبة متابعة العمل الذي جمع نجوماً من الصف الأول، بالإضافة إلى الشراكة بين كاتبه ممدوح حمادة ومخرجه الليث حجو التي حققت نجاحاً في السابق خاصة في "ضيعة ضايعة".

أما بخصوص عمل "كريزي" فهو يعد تجربة تلفزيونية أولى لكاتبته علا ملص ومخرجه مصطفى برقاوي، ولمنتجته الفنانة نسرين طافش. والعمل من حيث المضمون اختبر أكثر من مرة، بعد أن انتقلت أفكاره من زاوية صحافية كانت تكتبها ملص في مجلة "شبابلك" السورية، مروراً بتقديمها إذاعياً تحت الاسم ذاته، وصولا الى تحويلها تلفزيونياً.

بينما يقدم "بومب أكشن" لوحات انتقادية ساخرة منفصلة تنتهي كل حلقة منها بأغنية كملخص لما ورد في الحلقة. أما "أيام الدراسة" فيلقي الضوء على الحياة اليومية في مدرسة ثانوية مختلطة. والأعمال الثلاثة تقدم نفسها دون انطباعات مسبقة.

 

خصوصية مجتمعية

في المقابل، بدت الكوميديا الخليجية مختلفة تماماً، حيث حملت مبدأ خصوصية كل مجتمع ومشكلاته وأبرزها المسلسل الكوميدي السعودي "سكتم بكتم 2" للفنان فايز المالكي الذي نال أعلى نسبة مشاهده في موسمه الأول، حيث أثار جدلا واسعا في المملكة كونه تتطرق لمختلف القضايا العالقة في المجتمع بين الخدمية وما تتحمل مسؤوليته المؤسسات وبين ما هو تقليدي وعرفي ودخيل ويتحمل الأفراد حجم البعد السلبي في تفشيه.

في المشهد السعودي صنف "سكتم بكتم 2" أنه الأفضل رغم النقد التقني للمسلسل لدرجة أنه زاحم مسلسل "طاش ما طاش18" المعروف، بالإضافة إلى مسلسل "قول في الثمانيات" الذي نجح في تنافسية الحضور وجذب أكبر قدر ممكن المشاهدين ومدى مصداقيته بجرعات الضحك المطعمة بقالب ساخر في المشاهد. وفي سياق القضايا المطروحة في الكوميديا السعودية فإن أبرزها لايزال يتناول القضايا الحساسة وغير المطروقة ، كقضية الأنساب وتقاليد الزواج في المجتمع السعودي، ومشكلات الخطوط الجوية السعودية في طبيعة خدماتهم، قضايا الابتزاز والفساد، وظواهر الجيل الجديد من الشباب والشابات.

 

المباشرة والحيادية

من جهة ثانية، عكس المسلسل الكوميدي القطري "تصانيف2" بطولة وتأليف الفنان غانم السليطي نبض الشارع القطري، من خلال المساس بالحياة اليومية للأفراد وعرض واقعها. والملاحظ على هذا العمل أنه جاء دون مجاملة أو تخفيف من وقعه على المشاهد، وامتاز بالحيادية وتوجيه النظر نحو مكامن الخلل، وتحليله بعيدا عن التهريج أو كوميديا الاستهبال. فكما هو معروف في نصوص الفنان غانم السليطي أنها بيان الوضع كما هو دون إضافة أي لمسات فنية ترميمية للقضية المطروحة بل سعي جاد في توصيلها والمطالبة بمعالجته. وقد عرض المسلسل مجموعة من الإشكاليات الساخنة في المجتمع القطري ومنها الرشوة، والقضايا الرياضية، وثقافة البورصة، وأبرز مشكلات المراهقين.

 

الفنان الشعبي

يعتبر "طماشة3" بطولة الفنان الإماراتي جابر نغموش مبادرة مستمرة للدور الكوميدي في معالجة مشكلات المجتمع المحلي، حيث يعتبر نغموش إحدى أبرز الوجوه الإماراتية التي قدمت الكوميديا المحلية بقالب جميل، كونه يملك شعبية وكارزما مؤثرة على البيت المحلي. بدأها نغموش في مسلسل "حاير طاير" بأجزائه المختلفة ليقدم هذا العام عبر تلفزيون دبي "طماشة3 " متلونا بأكثر من شخصية ضمن حلقات منفصلة لأكثر من قضية كتبت بأكثر من كاتب.

والملاحظ أن الحديث عن مسلسل طماشة3 ارتبط بالفنان نغموش، وذلك لشعور البعض بأن الممثل يتحمل مسؤولية هموم ومشكلات المجتمع ويرتبط معه بعلاقة حب وتواصل ومتابعة حفيفيه، باعتباره القادر على توصيل ما يريده المجتمع ليتجاوز بذلك حدود العمل التلفزيوني كونه نافذة يطل عليها الفرد ويتكشف على أخطائه ويتعرف به على حقوقه وواجباته.

الكتابة للفنان جابر نغموش كممثل كوميدي وشعبي تعتبر معادلة صعبة، والمتابع لهذا العمل سيلاحظ وقوعه في بعض الهفوات التقنية على مستوى توظيف النص والصورة لطبيعة أدوات الفنان نغموش، مما قيد الحس الفني ووهج إطلالة نغموش التي أعتاد عليها المشاهد بصورة فعلية.

 

وجه مسرحي

الكوميديان المسرحي الفنان طارق العلي يطل علينا بمسلسل "الفلته" والذي يحاكي الفترة ما بين الخمسينيات والستينيات القرن الماضي في المجتمع الكويتي، حيث يقوم طارق العلي بدور المداوي بطب الشعبي في المنطقة أو "الفريج" لينطلق من خلال مهنته وعلاقاته بالأفراد بمسؤولية حل قضاياهم وما يوجهونه من عوائق. والمشكلة ظهرت بعدم القدرة على فصل الوجه المسرحي والتلفزيوني لطارق العلي في أعماله، فالملاحظ أن أسلوب العلي مسرحي خصوصا في أطروحات القضايا ذات البعد التخصصي للمجتمع، فعندما تتابعه عبر الشاشة تشعر أنك تشاهده في المسرح من خلال تناوله للقضية ومفردات معالجتها بمصوغات النص الذي لا يخلو من تعابيره ومصطلحاته الخاصة.

العلي نجح في تكوين قاعده جماهيرية للمسرح الكوميدي، وخط واضح يتهمه البعض بأنه قريب من الارتجال والتهريج، ومن جهة أخرى، ينظر له آخرون كونه لون يتناول احتياجات المجتمع بأسلوب الكوميديا الساخرة. ليصبح العلي رمز مسرحي صعب استيعابه على التلفزيون كونها محكوم بمصوغات المشهد الذي لا يحتمل طابع الارتجال الطاغي على النص، خصوصا في كوميديا الموقف ذات البعد والهدف الموجه نحو إفرازات مجتمعية معينة. «غشمشم» يغرد

 

معادلة التسويق الإعلاني تروج استمرار عرض المسلسل السعودي "غشمشم" المغرد خارج سرب مفهوم الكوميديا في الدراما التلفزيونية. والجدير بالذكر أن المسلسل يحمل أفكارا مختلفة وجيدة ولكنه لا يزال يفقد توظيفها الفني على مستوى الكتابة والتمثيل والتقنية، مما جعله في مصاف التعبئة والكم في القناة على حساب النوعية. "نعلم أن مسلسل غشمشم غير مفعل على مستوى المشاهدة المحلية والخليجية أيضا، ولكنه يمثل باب مهم للجذب الإعلانية والتجاري في المساحة التلفزيونية". جاء ذلك في تصريح لعبدالله العجلة مدير قسم الإنتاج الدرامي في مؤسسة دبي للإعلام خلال لقاء رمضاني حول طبيعة الإنتاج المحلي التلفزيوني.

لغة جديدة

شكل عمل "صايعين ضايعين" دراما عربية بأكثر من لهجة مأخوذة عن فكرة لإحدى لوحات "بقعة ضوء"، تتناول حكاية شابين يبحثان عن عمل. وخلافاً للعنوان الذي اختاره مخرجه أو الجهة المنتجة له، استطاع أن يكون، بين كل الأعمال الكوميدية، مسلسلا منضبطا لا صائعاً، وذلك بعد أن فرض لغة كوميدية جديدة، ولونا مختلفا عما سبق تقديمه، فنال، بعد عرض نصف حلقاته تقريبا، علامة كاملة من حيث الجرأة في الطرح، والمزاوجة بين ضرورة الابتسامة، وبين الحاجة إلى الموقف الذي يؤدي إليها.