رغم أن مسلسل «مشرفة رجل من هذا الزمان» الذي يعرض حاليا في ماراثون دراما رمضان، يعد من المسلسلات التي ترفع من قيمة العلم، ويقدم نموذجا لعالم مصري نحتاج عربيا إلى مثله هذه الأيام، ناهيك عن الصورة الجميلة التي تصنعها المخرجة أنعام محمد علي من خلال العمل واستخدامها تقنيات جديدة في التصوير واهتمامها بالتفاصيل، إلا أن المسلسل باعتباره سيرة ذاتية افتقد إلى ضخامة وفخامة الإنتاج فترة زمنية مهمة شاهدناها من قبل بإبداع وبراعة في مسلسلي «فاروق»، و«الجماعة».

ولا يمكن أن يخفي ذلك إنجاز المخرجة الكبيرة ومقدرتها خلال عملها البديع في المزج الفريد بين «الوثائقي» و«الدرامي» وبين «السياسي» و«غير السياسي» بحيث يظهر أحد تلك العناصر في أمامية المشهد أو خلفيته حين الضرورة، وكذلك نقلتنا رغم بعض الهنات إلى روح الأمكنة ووقائع التاريخ من لندن إلى دمياط ثم القاهرة، ومن ثورة 91 إلي روح المستعمرات البريطانية وثقافتها فأشعرتنا وكأننا جزء من ذلك الوجود الإبداعي للعالم على مصطفي مشرفة (الذي أدى دوره باقتدار مذهل احمد شاكر عبد اللطيف)، مجسدا قصة عالم الرياضيات والفيزياء الذي يعد أول عالم عربي يحصل على أعلى شهادة أكاديمية في مجال العلوم المتعلقة بتكوين الذرّة وقوى المجال المغناطيسي.

وبالإضافة إلى ذلك يعد المسلسل من أهم أعمال السيرة الذاتية التي أخرجتنا من دائرة رصد حياة الفنانين فهو أول عمل يتعرض لحياة عالم في الدراما العربية كلها، وهذا أمر في غاية الصعوبة لأنه يتعامل مع نظريات علمية ورياضية، ونجح بالفعل في عدم إشعار المشاهد بصيغة المحاضرات العلمية المنفرة التي يمكن أن تجعله يدير مؤشر التلفزيون.

والمسلسل بذكاء شديد لا يقدم حياة مشرفة وحده ولكنه يقدم تاريخ مصر الثقافي والفني والعلمي بالمعني الواسع خلال مرحلة غنية بالقامات والعلامات العبقرية في مجالات متعددة، مثل سعد زغلول وأحمد لطفي السيد والدكتور طه حسين ومكرم عبيد ومصطفي النحاس والنقراشي وأحمد ماهر والدكتور أحمد زكي والموسيقار محمد عبد الوهاب وعالمة الذرة سميرة موسى.

وبالرغم من أهمية المادة الدرامية المطروحة ومحتواها كعناصر وثائقية لفترة وجود الاستعمار البريطاني في مصر، حيث يرصد 27 عاماً من حياة العالم المصري «مشرفة» بداية من عام 2391 حتى عام 0591، كما أنه ينفي وبالوثائق في حلقاته الأخيرة وللمرة الأولى فكرة أن تكون إسرائيل اغتالته، إلا أن المسلسل الذي يعتبر من أهم الأعمال القوية خلال شهر رمضان الحالي، سقط في بعض المعالجات الضعيفة، ومنها أسلوب مزج الحوار ليكون خليطاً من اللغتين العربية والانجليزية معاً.

فقد كانت الجملة الواحدة مكونة من تناوب بين كلمة عربية وأخرى إنجليزية بحيث لا يجدي حتى التوضيح بإضافة الترجمة على الشاشة باللغة الأخرى، وشعر معها الذي لا يتقن الانجليزية بالضياع في المشاهد التي تشبه مزج مادتين لا تمتان لبعضهما بصلة، كما أحس المشاهد الذي يتقن الانجليزية بنفور شديد نتيجة الكم الهائل من الأخطاء اللغوية ومن الترجمة السيئة لبعض المصطلحات والطريقة الخاطئة لنطق الكلمات، والتي تعكس جهلاً تاماً بلفظ الأسماء والأماكن والتعبيرات وحتى أسلوب المعيشة داخل المجتمع البريطاني.

وجاء اختيار بعض الأثاث والتصميم الداخلي للمباني والنوافذ والأبواب في كثير من الديكورات الداخلية لا يمت إلى المباني في بريطانيا بصلة، وكان الإصرار على ارتداء الممثلين الذين لعبوا دور مصريين يعيشون في انجلترا قبعات صغيرة الحجم في الوقت الذي تخلى فيه من قاموا بتمثيل دور انجليز عن قبعات «الخواجات»، دليل على وجود خلل في متابعة الإكسسوار، ومن ضمن إهمال الفنيين كذلك، الاستعاضة عن وجود نار في المدفأة التي يفترض أنها مشتعلة في الأجواء الباردة البريطانية، باستخدام ضوء «لمبة» عادية وامضة.

تضيء وتنطفئ في جدار المدفأة وبشكل فج يشبه تنفيذ مسرحية لمجموعة من الهواة، بالإضافة إلى أنه لا يعقل أن يخاطب الأشقاء بعضهم البعض في المنزل وأثناء ممارسة حياتهم الخاصة وارتداءهم ملابس النوم بألقاب رسمية أكاديمية مثل يا دكتور ويا بروفيسور، ولا يظهر مشهد إنساني واحد يؤكد دفء وعمق وذوبان العلاقات بينهم بعيدا عن الألقاب.

 

إضافة مهمة

وفي كل الأحوال لا يمكن إنكار أن مسلسل «مشرفة رجل من هذا الزمان» يمثل في مجملة إضافة مهمة للدراما العربية على المستوى الفكري والفني، فهو يحكي سيرة عالم ينبغي على أبنائنا استلهامها والاقتداء بها بعيدا عن أنصاف الموهوبين وأرباعهم من الفنانين ولاعبي كرة القدم، فقد كتبه بوعي وفهم المؤلف محمد السيد عيد ونجح بدرجة كبيرة في كتابة السيناريو والحوار وبناء الشخصيات، تماما مثلما فعل الإخراج الذي حرص على توافر كل عناصر المتعة والفن والفكر، فشاهدنا عملا دراميا شديد الاحترام والتميز بتوقيع الرائعة أنعام محمد علي.