مع عرض مسلسل (في حضرة الغياب)، من تأليف حسن يوسف وإخراج نجدت أنزور وانتاج وبطولة فراس إبراهيم يكون التاريخ قد سجل العملية الثانية للسطو على إرث الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، الأولى كانت عندما تقرر إصدار ديوانه (لا أريد لهذه القصيدة أن تنتهي) عن دار رياض الريس، والذي تضمن العديد من الأخطاء البعيدة كل البعد عن تجربة الشاعر الابداعية، والقصة معروفة ولا نريد تكرارها في هذه العجالة، أما عملية السطو الثانية فتتمثل في إصرار القائمين على المسلسل الجديد على تقديمه للجمهور بهذا الشكل المستعجل على طريقة وجبات الأكل السريعة، التي سرعان ما يكتشف مستهلكها أنها مشبعة بالسموم أكثر بكثير مما تحتويه من غذاء للجسد في الحالة الثانية أوغذاء للروح في الأولى.
عناصر أساسية
يعتمد أي مسلسل تلفزيوني أو عمل درامي كما يحلو للبعض تسمية هذا النوع من الفنون المرئية، اعتقادا منه أنه يعطيه بعدا أدبيا ما، لكون الدراما انطلقت من مواقع أكثر جدية وأقرب إلى الحالة الابداعية منها إلى العمل التلفزيوني السطحي، كما يعتمد على ثلاثة عناصر أساسية، النص والإخراج والأداء ويمكن أن يضاف إليها الانتاج لا سيما في حالة (في حضرة الغياب)، حيث سيطر هذا العنصر المضاف على ما عداه من عناصر أساسية إن لم نقل أنه سطا عليها بعلم ورضى أصحاب العلاقة أنفسهم، أي المؤلف والمخرج والممثل الأول، لا بل أن الأخير يبدو في هذه الحالة قد لعب دور البطولة ليس في الأداء فحسب، وإنما في المستويات الثلاثة الأساسية لصناعة أي مسلسل تلفزيوني.
رؤية المنتج
في عملية السطو الثلاثية هذه، يبدو أن كل تلك العناصر قد سخرت لصالح رؤية المنتج التي تنطلق بدورها من ثلاث قواعد أساسية جميعها تفوح منها رائحة غير مستحبة لأنها أميل إلى الممارسات الانتهازية المعتادة في حالات السطو من هذا النوع، حيث تتمثل القاعدة الأولى في استغلال اسم وسمعة محمود درويش نفسه، والثانية في استغلال اسمي المخرج والمؤلف والثالثة في استغلال الموسم الذي يعرض فيه المسلسل، والمقصود هنا الموسم الرمضاني طبعا، الذي يعج عادة بكل أصناف المسلسلات.
شخصية مختلفة
بكلمات أخرى، يمكن القول إن مخرج العمل ومؤلفه قد ساهما في الخروج بهذا المنتج الهزيل عندما شاركا في سلق هذه التجربة الإبداعية العملاقة، فقدم الأول رؤية وحلولا إخراجية واهنة لم يعتد عليها حتى في أعماله (الفنتازية) المعروفة، بينما قدم الثاني نصا لا يختلف اثنان على أنه يفتقر للبحث العلمي في شخصية ومحيط محمود درويش، أما إذا أضفنا إليهما رداءة الأداء.
نبرة انفعالية
ومن العناصر السلبية الأخرى التي زادت الطين بلة تبرز تلك النبرة الانفعالية المصطنعة في الأداء، والتي شوهت وإلى حد كبير البعد الانساني والاجتماعي للشخصية المراد تقديمها للمتلقي، الذي وجد نفسه أمام منتج هزيل، وكأن لسان حال الممثل الأول فيه يقول للناس: شاهدوني أنا أمثل دورا مهما، فغاب البعد الدرامي للشخصية، فضلا عن عدم حضور البعد الحدثي لسيرة هذه الشخصية، حيث طغى الذاتي على الموضوعي ما أفقد العمل شرعيته وحرمه من قيمته الأدبية والانسانية وحتى الأخلاقية، ذلك أن الدراما كما عرفها أرسطو هي (محاكاة لفعل الإنسان)، وهذا يعني أن التفاعل الانساني يشكل جوهر العمل الدرامي، الأمر الذي يبدو باهتا في (في حضرة الغياب)، حيث تفتقد الشخصيات لتلك اللمسة الانسانية إن لم نقل أن هذه اللمسة الانسانية تنتزع من سياقاتها عنوة.
قرار انتهازي
وتنتج الدراما العربية، في العادة، أسوة بأي دراما في العالم، لأسباب عديدة منها الربحية ومنها الفكرية السياسية، ومنها الانتهازية، كأن يتم استغلال كارثة ما وتحويلها إلى فرصة قابلة للاستثمار من بين أسباب أخرى، فأي من هذه الأسباب دفعت فراس إبراهيم إلى استثمار 5 ملايين دولار في إنتاج مسلسل (في حضرة الغياب)، ولعب دور البطولة فيه. يبدو أن كلها مجتمعة فاعلة في حالة اتخاذ القرار الانتهازي، الذي لا يمت للدراما ولا لمحمود درويش بصلة.
