أثارت تصريحات الباحثة في علوم الأعصاب والمديرة السابقة للمعهد الملكي في بريطانيا، سوزان غرينفيلد، أخيراً، حول كيف أن التكنولوجيا الحديثة ووسائل الإعلام الاجتماعي تسهم في تغيير الطريقة التي تعمل بها أدمغتنا، ضجة كبرى في الأوساط الأكاديمية، لا سيما وأنها ترى أن هذه التغييرات لا تقل أهمية عن فهم ظاهرة التغير المناخي. وذكرت صحيفة (غارديان) البريطانية، في تقرير حديث لها، بأن هناك طريقة واحدة مثيرة للاهتمام، فيما يتعلق بتقدير قيمة تصريحات غرينفيلد، تتمثل في التمعن في طبيعة دماغ القارئ.
وأشارت (غارديان) إلى أن تصميم الدماغ البشري لم تقصد القراءة، لا النصوص ولا ورق البردي، ولا شاشات الكمبيوتر، ولا الأجهزة اللوحية.
فلا توجد جينات أو مناطق في الدماغ مخصصة للقراءة وحدها. لكن قدرتنا على القراءة تمثل قدرة أدمغتنا على التكيف من أجل تعلم شيء خارج قدرتنا عن طريق إنشاء دوائر جديدة، تربط الدوائر القائمة بطريقة مختلفة.
وفي الواقع، فإنه في كل مرة نتعلم مهارة جديدة، سواء الحياكة أو العزف على آلة التشيلو أو استخدام الفيسبوك، فهذا هو ما نقوم به. ومع ذلك، فإن القدرات الجديدة تسهم في تغييرنا، حسبما تبين من دائرة القراءة الجديدة. وبعد ما أصبحنا نتقن القراءة والكتابة، فإننا نفكر بشكل مختلف بشأن اللغة، ذلك أن صور تنشيط الدماغ بين البشر المتعلمين والأميين توضح ذلك. فالمرونة التي يتسم بها الدماغ تسمح بدوائر متنوعة لا تتجزأ، حيث لا يوجد أي برنامج جيني مجهز مسبقاً.
فعلى سبيل المثال، في حالة القراءة، فإن هذا يعني أنه سيكون هناك أدمغة قراءة مختلفة تبعاً لعوامل بيئية مختلفة، فعلى سبيل المثال يستخدم الدماغ الصيني أكثر المناطق البصرية بعداً لأن هناك المزيد من الحروف للتعلم.
وأشارت الصحيفة البريطانية في تقريرها، إلى أنه في عام 1968 بدأ العالم الكندي في وسائل الاتصال الجماهيري مارشال ماكلوهان إجراء تجربة في جامعة فوردهام، قام خلالها بجعل الطلاب يشاهدون الفيلم نفسه على شاشة السينما والتلفزيون، وتحليل ردود أفعالهم المختلفة، حيث افترض أن خصائص وسيلة الاتصال سوف تؤثر دائماً في تحديد أي أجزاء دائرة القراءة يتم توظيفها وإلى أي مدى يتم ذلك. في ذلك الوقت، تعرضت نظرية ماكلوهان للسخرية كثيراً، لكنها تعتبر تمهيداً مناسباً للنقاش بشأن تأثير وسائل الاتصال الحديثة على الدماغ. فبالنسبة لخصائص وسيلة مثل الإنترنت تتطلب من القارئ الانتقال من التحفيز إلى المرحلة التالية بنمط سريع. أما خصائص وسيلة مثل الكتاب فهي تتطلب المزيد من الاهتمام المركّز.
وأوضحت "غارديان" أن الدراسة التي قامت بها غرينفيلد تركز على أنه إلى أي مدى يسهم اكتساب قدرات جديدة في إحداث تغيرات في التطور البشري. وفي حالة القراءة، فإننا نعلم أن "دماغ القراءة الخبيرة" تتضمن دوائر معقّدة تقوم بدمج أكثر مهارات تفسير الرموز، بما يطلق عليه عمليات "القراءة العميقة"، وأبرز نماذجها التحليل النقدي والفكر التناظري والاستدلال والبصيرة. أسئلة مؤرقة
تقول الدكتورة سوزان غرينفيلد إن دمج عمليات القراءة الأكثر عمقاً لا يتم بشكل تلقائي، وتتطلب من القارئ المبتدئ سنوات من التعلم، فضلاً عن أن الأمر يحتاج إلى أجزاء من الثانية بالنسبة لأي خبير لقراءة نص أكثر تطوراً.
والحقيقة هي أن دائرة القراءة الخبيرة اليوم تشكّلت في ظل ظروف مختلفة جداً، ومن خلال وسائل مختلفة عن تلك التي تشكلت بها أدمغة أطفالنا. . وتتمحور الأسئلة التي لابد لمجتمعنا أن يطرحها حول ما إذا كانت متطلبات عمليات القراءة العميقة، ستغيب وسط ثقافة يقوم مبدأها على تقديم خدمة ذات سرعة عالية وتعدد المهام والتعامل مع المراحل التالية من المعلومات.
فهل يغير الانخراط في أشكال القراءة الرقمية من قدرة القراء الصغار على تشكيل وتطوير عمليات القراءة العميقة؟ لا أحد في هذه اللحظة، يمتلك الأدلة للإجابة على هذه الأسئلة، لكن تطور أطفالنا وسلالاتنا البشرية على المستوى الفكري يتطلب منا مواجهتها.
