هل يمكن لنا أن نتخيل مدى صعوبة وألم الولادة القيصرية ، ورغم ذلك تبدو الآلام "الولادة من الخاصرة" أقوى بحسب ما يحاول ان يبينه لنا المسلسل السوري حامل الاسم نفسه والذي يعرض حالياً على قناة أبوظبي. فعلى الرغم من أن العنوان افتراضي ، حيث لا توجد ولادات من الخاصرة على أرض الواقع، إلا أن الاسم بدا كناية واضحة عن الألم الذي تسببه الولادات غير الشرعية.

الملف للنظر أن أحداث قصة هذا العمل تبدأ من عيادة طبيب يمارس الإجهاض، الممنوع أصلا في مجتمعاتنا العربية، حيث يجسّد دور الطبيب فيها الفنان جهاد سعد، ومن هذه العيادة تنطلق ثلاث قصص لا تلتقي مع بعضها، ولكل ولادة منها قصتها المختلفة ومسيرتها مع هذه الحياة، ليبدو العمل مثيراً فيه الكثير من الجرأة التي بينت وكأنه صور في ظل الربيع العربي.

ومع وصولنا إلى منتصف حلقات المسلسل بدت حلقاته حبلى بأحداث كثيرة، تلعب على أوتار الفقر والسلطة والمال، وما يدور بينها من صراعات خفية كانت أم علنية، ليبدو في الطابع العام أن هذا العمل يحتوي على ثلاث مسلسلات مجتمعة لكل واحد منها حكايته وقصته.

للوهلة الأولى ونتيجة كثرة المشاهد والأحداث في المسلسل الذي شاركت فيه منى واصف وسلوم حداد وعابد فهد وسلاف فواخرجي وقصي خولي ووفاء الموصلي وكندة حنا ومحمد حداقي ومكسيم خليل ومها المصري وشكران مرتجى ، لا يمكن ذمه من الناحية الدرامية أو الاخراجية فقد أثبتت مخرجته الشابة رشا شربتجي امتلاكها كافة أدوات الإخراج وخيوط العمل عبر الانتقال بين المشاهد بحرفيه واضحة دون أن تصيب المشاهد بالملل تمكنت من ابقائه متحرقاً لمعرفة ما سيحدث.

 

تعرية مجتمعية

في المقابل، يبدو أن مؤلف العمل سامر رضوان بدا بارعا في تعرية المجتمع من خلال الاسقاطات التي يلاحظها المشاهد أثناء انتقال الدفة بين رجالات السلطة والمسكونين بهاجس الخوف من كل شيء حتى من نسائهم تحت ذريعة "حماية الوطن"، أو في عرضه للصراع على المال والتعاملات الاجتماعية التي تحكم الطبقات الغنية، أو في استعراضه للأحياء العشوائية الفقيرة التي تنتشر في معظم البلدان العربية والتي عادة يسود فيها القوي جسمانياً ومادياً.

 

الإطار واحد

وتميز هذا المسلسل ليس مقتصراً على عنصر يتيم من عناصر العمل الدرامي، وإنما يعود إلى أمور كثيرة تبدأ من عنوانه اللافت "ولادة من الخاصرة"، ولا تنتهي عند القصة المتضمنة مجموعة قصص يصلح كل منها ليكون مسلسلاً، فصح عليه الوصف مسلسلات عدة والإطار واحد.

فالمسلسل يجسد بواقعية صور مجتمعنا العربي الزاخر بالتناقضات والصراعات والطمع والجشع والفقر والظلم والضعف والتسلط والخنوع والكذب والكثير من الألم، والقليل من الأخلاق والترفع.

والمتابع للمسلسل يستطيع أن يضبط فيه ثلاثة سياقات تتمثل بثلاثة نماذج من العلاقات الاجتماعية المتباعدة يسير كل منها على حدة، وتربط بينها خيوط قليلة جداً كما يجمعها مكان واحد هو المدينة بأمكنتها المختلفة الواسعة والضيّقة، الفخمة والبائسة، الفقيرة والمترفة، إضافة طبعاً إلى الصراعات والأحداث التي يكاد يشعر كل فرد في هذا المجتمع العربي الواسع، أنها تلامس جانباً من حياته.

ففي السياق الأول، نجد صورة الضابط المتسلّط الظالم المنتقم من كل من يقف في وجهه، ويمعن في الانتقام وصولاً إلى الموت حتى من أقرب الناس إليه، ومجتهداً في حبك ملفات ومؤامرات ضد كل من يسير عكس تياره وطغيانه، والسياق الثاني يبدو صراع الأب والابن على السلطة والمال واضحاً وممزوجاً بتدخل المتملقين وسوء التربية وضياع الشباب.

في حين يبدو السياق الثالث أكثر فقراً وبؤساً حيث يعكس جانب مهم من المجتمع المقيم في أزقة يسمّيها المقيمون فيها حارات وهي تشبه كل شيء إلا الحارات التراثية الطاغية منذ نحو عقد على المسلسلات السورية، يتآمر فيها بعض الناس ضدّ بعضهم طمعاً بامرأة حسناء، وكذلك ضدّ المجتمع الفوقي طمعاً بالمال بغض النظر عن الوسيلة.

بلا شك أن التقلب بين أحداث المسلسل التي يطغى عليها طابع الظلم أدت إلى تعلق المشاهد بالمسلسل وذلك لقربه منه ومن حياته وشؤونه اليومية، وهذا ساعد في عدم لفت النظر إلى بعض الهفوات الفنية التي وردت في المسلسل، ورغم مرور نصف حلقات المسلسل إلا أنه ما زال يخفي الكثير من الأحداث خاصة وأن نجمة مثل سلاف فواخرجي بدأت بالظهور بصورة واضحة في المسلسل بعد مرور 10 حلقات، وما قبلها ظهرت بدور الأسيرة المكبّلة في مستودع وخرجت منه بوجه مشوه دميم كنوع من انتقام زوجها عليها.

ظهور فواخرجي بصورة واضحة في الحلقات المتبقية يبدو أنه سيثري العمل من حيث إبراز إشكالية الصراع بين المثقف (كونها تمثل شاعرة) وضابط الأمن الذي يقف فوق رأسها، كما سيبدو أنها ستفجر مشكلة كبيرة قد توقع زوجها ضابط المخابرات بورطة كبيرة لم يكن يحسب حسابها.

 

 قطع اللسان

 

احتوى المسلسل في بعض الحلقات على مشاهد صادمة للجمهور ولعل أبرزها قيام الفنان سلوم حداد (في شخصية واصل) في أحد المشاهد بقطع لسانه أمام ابنه ماكسيم خليل (علام)، وهو ما سبب صدمة لدى مجموعة كبيرة من مشاهدي المسلسل وأصابهم بالذهول للطريقة غير المعتادة في الدراما العربية والتي كانت محل انتقاد من الكثير من المشاهدين.