«عابد كرمان» مسلسل ينتمي إلى دراما الجاسوسية، تأخر عرضه منذ رمضان الماضي بناء على منع الجهات الأمنية المصرية، ثم أجيز عرضه بعد «ثورة 25 يناير» على عدد من الفضائيات، ليحتل نسبة مشاهدة أقل من أعمال سابقة في المجال نفسه رغم الدعاية التي صاحبته والزوبعة التي أثارها حذف شخصية موشى ديان وعدم ظهورها نهائيا ضمن أحداث المسلسل، التي رصدها ماهر عبد الحميد مؤلف رواية «كنت صديقا لديان» المأخوذ عنها العمل، والتي من المؤكد مراجعتها من المخابرات المصرية قبل صدورها وطرحها في الأسواق.
قصة المسلسل تمزج بين الحقيقة والخيال من إخراج نادر جلال سيناريو وحوار بشير الديك، وتبدأ أحداثه اثر نكسة 1967 التي أصابت المصريين بفجيعة شديدة وتتناول حكاية «عابد كرمان» يجسدها «تيم الحسن» وهو شاب من عرب 48 يحمل الجنسية الإسرائيلية، رشحته المخابرات المصرية ليكون عينا لها داخل إسرائيل وينجح في دخول حيفا وإقامة شبكة علاقات قوية بكبار الجنرالات الإسرائيليين، حتى يصل إلى موشي ديان وزير الدفاع الإسرائيلي في ذلك الوقت، وتربطه به صداقة قوية، ومن هنا يبدأ عابد في تنفيذ المهمة الوطنية التي استمرت سبع سنوات مستمرة منذ نكسة 1967 وحتى نصر 1973.
الصورة والمضمون
الفكرة غنية بالتفاصيل والصراع خارج وداخل الأرض المحتلة وكان من الممكن أن تصنع عملا مهما، لكنها للأسف انحصرت من حيث الصورة بأجواء مسلسل «حرب الجواسيس» ربما لأنها لنفس المؤلف بشير الديك والمخرج نادر جلال.
كما تم الاعتماد على تكريس أن أهم مميزات عميل المخابرات أن يكون «بتاع ستات»، وهي مقارنة على صعيد المضمون تفقد العمل كثيرا من عناصر نجاحه أمام المسلسل الأشهر والأنجح «رأفت الهجان».
فكلا العملان يحملان اسم بطل المسلسل ومنذ اللقطات الأولى بدت في شخصية عابد ملامح من شخصية رأفت، فكلاهما شاب ذكي وسيم مغرم بالنساء وحياة اللهو، الفارق يكمن في مقدرة كاتب السيناريو صالح مرسي على رسم شخصية درامية للهجان أخاذة بكل المعاني ولا تزال محفورة في ذاكرتنا ببطولتها ومحفزة للكثيرين من أبناء الوطن العربي.
قالب تقليدي
ولم يقدم مسلسل «عابد كرمان» في الحلقات العشر الأولى شيئا استثنائيا أو مختلفا عن القالب التقليدي لأعمال الجاسوسية على مستوى الشخصيات والحوار والمواقف التي نشعر بأننا شاهدناها في مسلسل سابق خاصة مشاهد لقائه برجال المخابرات المصرية وتجنيدها له، ووضعه في امتحان الخطف والضرب وكتم أنفاسه بوضع رأسه داخل دلو الماء لمعرفة قدرته على الاحتمال والإفصاح للمخابرات الإسرائيلية عن علاقته بالمصريين.
الحدث في الحلقات حتى الآن يسير كالسلحفاة يتقدم ويتطور بشكل متوقع للمشاهد وبإيقاع بطيء غير مشوق، هذا بخلاف أسلوب المط والتطويل الذي لا يخدم العمل دراميا لكنه يحقق المكسب المادي للمنتج، فالمتفرج يعلم مسبقا إطار العمل والجو العام ويتوقع نهاية العمل بانتصار المخابرات المصرية على الإسرائيلية، لكنه ينتظر تفاصيل وأحداثا جديدة مشوقة لا يستطيع أحد التنبؤ بها خاصة أن عابد كرمان بطل يحتاج إلى مواصفات ومقومات لا تجعله يترنح أمام رأفت الهجان أو جمعة الشوان بطل مسلسل «دموع في عيون وقحة».
أخطاء الديكور
كما أن هذه النوعية من الأعمال والتي ترتبط بفترة تاريخية تستوجب خلق جو عام لها عبر الديكور والملابس وباقي التفاصيل، ولكن على ما يبدو أن الشركة المنتجة والمخرج قررا أن نجمة داود أو سيارة قديمة تكفي لإشعار المشاهد أنه في إسرائيل خلال فترة الستينات أو السبعينات.
بخلاف فوضى الاستسهال في ظهور المباني الحديثة ومترو الأنفاق في الشوارع الفرنسية، بالإضافة إلى خطأ الحوار الذي كرر طوال الحلقات جملة (إسرائيلي من أصل عربي) بدلا من أن يقول (فلسطيني يحمل الجنسية الإسرائيلية)، وهناك بالتأكيد فرق والمعنى سيكون مختلفا في ذهن المشاهد الذي لا يعرف تاريخ القضية الفلسطينية ونشأة إسرائيل.
ومن المؤكد أنه قد يرى البعض من غير الموضوعي الحكم على عمل درامي من خلال حلقاته الأولى، ولكن زحمة المسلسلات وكثرتها تفرض غربلتها والحكم عليها خصوصا مع عمل كان يتوقع له النقاد وكثير من المشاهدين عودة ناجحة ومثيرة لدراما الجاسوسية بشكل وأسلوب جديد على صعيد المضمون أو الإخراج أو حتى المعالجة.
