ذائقة الجمهور العربي تتغير وسط "ربيع الثورات"؟ ومن هو هذا "الجمهور" في الاساس؟ هل ذائقة مشاهد التلفاز في الخليج تشبه ذائقة مشاهد مصر او المغرب أو لبنان؟ ماذا عن ليبيا الغارقة في حزن الفوضى؟

أسئلة كثيرة تطرح اليوم وتحيلنا الى ضرورة الاستعجال بتطبيق خطط التعرف على عادات المشاهدة التلفزيونية وتصفح الانترنت والاستماع الى الراديو بطريقة علمية وممنهجة بالامكان القياس عليها للوصول الى خلاصات منطقية.

نتائج تكون مفيدة لمعرفة تأثير الحراك السياسي والاجتماعي الحاصل اليوم في العالم العربي، والذي يلعب الاعلامان التقليدي والجديد، دورا فيه، بأشكال ودرجات تأثير متباينة.. تاثير هذا الحراك على ذائقة الجمهور وتوجهه نحو ما يهتم به فكريا، وحتى على مستوى الترفيه.

وقد برزت خلال الفترة الماضية معطيات في هذا المجال بوسعها ان تؤكد بدايات تغير، من دون ان تكون مدعومة بدراسات علمية، في الغالب. يصرح وائل الفخراني، رئيس غوغل في شمال افريقيا، بأن الشباب العربي بات يقبل على الانترنت لدوافع أخرى غير الترفيه، كما جرت العادة طوال الأعوام الماضية.

ويعطي مثالا عما يحدث في مصر تحديدا:" قبل العام الحالي، وخلال السنوات الأربع الماضية كان استخدام الإنترنت يتم للترفيه، فالإقبال كان أكثر على تتبع أخبار الفنانين وغيرها، أما الآن وبعد الثورات العربية فقد أصبح الإقبال أكبر على الأخبار خاصة التحليلية منها".

 

المحرك الأشهر

لكنه في الوقت ذاته، حين يتحدث عن مخططات محرك البحث الأشهر في العالم "غوغل" في منطقتنا، لا يعرج الا على تطوير المضمون الترفيهي رغبة بزيادة الحصة الاعلانية عن طريق "دعم اقتصاد البلاد العربية".

فغوغل مهتمة بالسياحة والطيران المدني أكثر من أي أمر آخر:" نحن مهتمون بعنصرين أساسيين لدعم اقتصاد دول شمال أفريقيا، وهما تصدير صناعة السياحة، والطيران المدني في المنطقة إلى الخارج، فبالنسبة للسياحة نقوم بالتعاون مع هيئات التنشيط السياحي في كل بلد بالعالم العربي، بالحصول على عروض ومنتجات كل بلد ونشرها على الإنترنت في العالم بعدة لغات.

بطرق علمية عن طريق التعرف على احتياجات السياح بالخارج، ونقدم لهم مجموعة متكاملة من الخدمات تلبي رغباتهم، فمثلا إذا كان هناك شخص في بريطانيا يبحث عن رحلة سياحية في مصر، فمن خلال «غوغل» يستطيع الوصول إلى كل العروض السياحية المقدمة، ويستطيع أن يقوم بالحجز أيضا من خلال تلك الخدمة".

وربما يتقاطع دعم اقتصاد ما بعد الثورة باهتمام الشباب الجديد في نقطة ما، لكن الفخراني لا يوضح، بشكل علمي، نظريته عن الابتعاد عن الترفيه، في سياق تفصيله لاهتمام الشركة بقطاع السياحة الذي يصنف على انه.. ترفيه!

في دراسة لافتة عن تغير عادات المشاهدة في زمن الأحداث الكبرى، يقلل الكاتب المغربي أحمد القصوار من "أسطورة" العصا السحرية التي ستغير عقلية المشاهد بين ليلة وضحاها، بل يذهب الى القول إن "العولمة الاعلامية" سرعان ما تخطف الاهتمام بالظواهر المحلية. يقول:" المشاهدون يسقطون ضحية "الاختطاف" العولمي للوظيفة الإعلامية، خاصة في بعدها التحريري التحرري و الحداثي و حتى الطوباوي المنفتح على المستقبل و الرامي إلى التغيير و التقدم و العيش المشترك..انعكس هذا التحول على عادات المشاهدة التلفزيونية و أهدافها و طقوسها.

لم يعد بعض المشاهدين يجلسون أمام التلفزيون من اجل الاطلاع على نشرات الأخبار أو البحث عن التثقيف أو للترفيه المحدد في الوقت و السياق، و إنما صار الهدف هو المشاهدة المسترسلة و المجتثة من السياق و المنزوعة الهدف أو الوظيفة".

ويضيف:" وحتى في الحالات التي يعرف فيها العالم أحداثا كبيرة تشد أنظار الجميع، سرعان ما تتحول المشاهدة إلى فرجة متواصلة تؤثثها مشاهد مثيرة أو تصريحات غريبة أو طريفة؛ كما حصل مع "تحفة زنكه زنكه " لمعمر القذافي، أو كما حصل مع حرب الخليج و أفغانستان و أحداث 11 سبتمبر 2001.

هكذا، يتم قتل البعد السياسي و الوظيفي و "الجاد"، لتتحول الأحداث و الأخبار إلى وسيلة للتسلية و تقاسم الطرائف و النوادر أو تهوين ما يقع ليدخل في الروتين العادي؛ ولو في سياق تساقط جثث القتلى و الجرحى و المعطوبين". كذلك يشير الى عامل المبالغة الاعلامية بالقول:"..

كما أن البث المتواصل لصور الأحداث و التعليقات يساهم بدرجة كبيرة في التهويل أو التهوين من الموقف، مما يجعل الإعلام التلفزيوني رهينة إرضاء متطلبات البث المباشر و البحث عن السبق الصحفي و الصور الحصرية و الرفع من درجات الاثارة، بدل أن يتم الالتزام الصارم بالضوابط المهنية".

ولا يغفل عامل التعود النفسي باشارته: "لعل اكبر مفارقة في الموقف أن يكون الاتصال الكبير الذي تتيحه التكنولوجيات الحديثة للبث التلفزيوني الفضائي ينتج عنه اختلال وظيفي إعلامي يؤدي إلى حصول "انفصال" و انسحاب عن/من العالم. ذلك أن الإحساس باللامبالاة لدى جمهور التلفزيون ينجم عنه نوع من التخدير أو الشل شبه التام، و بالتالي عوض أن يسمح الكم الهائل من الصور و الأخبار بتشكيل رأي عام حقيقي، فانه يؤدي إلى استبعاد و توقيف أي فعل حقيقي متفاعل مع ما تبثه وسائل الإعلام التلفزيوني".

اذا برأي الباحث قد "تتساوى في هذا التحول الكبير أخبار الحرب و الثورات و الموت و تقديم الكتب و الأفكار، مع برامج المسابقات و الغناء و صناعة النجوم و "البحث عن المواهب".لا فرق بين برنامج وآخر إلا بمقدار جلبه للمعلنين و رفعه لنسب المشاهدة و للحصة من السوق التلفزيونية المحلية أو العالمية".

 

رواج الحواريات

تساؤلات القصوار تحيل مجددا الى السؤال الشائك: هل ينتصر الترفيه في النهاية، أم ان تغير عادات التلقي الاعلامي في العالم العربي من الترفيه الى مناح أخرى هو محض مبالغة في تقارير الصحافة الأجنبية المجتزأة والسريعة.

في تقريره الى الاذاعة الهولندية يصف مراسل زار القاهرة انطباعاته عن علاقة الناس بالتلفزيون في زمن ما بعد الثورة، يقول في رسالته المؤرخة بابريل الماضي:"حتي عادات مشاهدة التليفزيون تأثرت هي الأخري بما جري في البلاد.

فنشرات الأخبار والبرامج الحوارية صارت الأكثر مشاهدة وأمسي الناشطون والمعلقون السياسيون هم نجوم الشاشة الصغيرة، وأصبح من الطبيعي ان يدور النقاش حول ما إذا كانت قناة الجزيرة هي الأكثر مصداقية أم العربية والبي بي سي".

ولا يقتصر الأمر على الاعلام التقليدي، اذ يشير الى الانترنت بالقول:" السياسة تصحبك أيضا إلى مقهي الانترنت المجاور للمنزل. فبعد أن كانت كرة القدم و ممارسة الألعاب الالكترونية بالإضافة إلى محاولة التعرف على الفتيات بمثابة الهاجس الأكبر لرواد المقهى صار المكان بمثابة محاكمة لتقييم أداء رئيس الوزراء الجديد.

وبعد أن تستمع إلي سائق سيارة الأجرة الذي يؤكد على اهمية عودة الاستقرار للبلاد قبل فصل الصيف وموسم السياحة العربية يكون عليك على أن تنصت إلى مجموعة من الطلبة وهم يشددون على ضرورة استمرار الثوره للقضاء على كل رؤس الأفعي..

وهكذا فإن أهم ما تغير في مصر هو أن الكثير من المصريين قد أمسوا مهمومين بالسياسة نتيجة للأحداث الجسام التي عاصروها سواء الملايين الذي احتشدوا في الميادين للتعبير عن معارضتهم لنظام مبارك أو عشرات الملايين الذين قضوا العديد من الليالي ساهرين يتطلعون إلى شاشات التليفزيون لمعرفة كيف سيكون مصيرهم أو يحرسون منازلهم وممتلكاتهم"!

الترفيه أم البرامج الجدية؟ هل ستميل كفة الأخرى على الأولى، بسبب الثورات العربية؟ لا تبدو الاجابة بسيطة في ظل غياب تقارير بحثية موثقة وآليات بحث.. موثوقة!