أخذ مغني التينور الإسباني بلاسيدو دومنغو على عاتقه مجددا لعب دور يبدو أنه جاء مفصلا على مقاسه، وهو دور الشاعر والسياسي التشيلي بابلو نيرودا في أوبرا (ساعي البريد 2)، المأخوذة عن فيلم أخرجه مايكل ريدفورد عام 1994، ويحمل الاسم نفسه، وهو عمل مستوحى بدوره من رواية (الصبر المحترق) للروائي التشيلي أنتونيو سكارميتا. وقد عرض العمل في سبتمبر الماضي في لوس أنجليس بنجاح، بينما وصل هذه الأيام إلى مسرح (شاتيليه) الباريسي. اللقاء الفرنسي يشكل سانحة أيضا لتكريم ملحن ومؤلف الأوبرا المكسيكي دانييل كتان، الذي غيبه الموت فجأة في التاسع من أبريل الماضي عن عمر ناهز 62 عاما.
بناء الحدث
في أوبرا (ساعي البريد)، يستحضر كتان نسخة ريدفورد التي تعيد بناء الحدث، الذي جرى في خمسينات القرن الماضي في جزيرة إيطالية، رغم أنه يضيف مشهدين كي يعيد للحكاية تجربة نيرودا في المنفى والتزامه السياسي، حيث يقول بلاسيدو دومنغو في العرض الافتتاحي لللأوبرا في باريس: (ثمة لحظة هائلة)، ذلك أن الفكرة كانت تقوم على تضمين قصة الحب هذه بين نيرودا وزوجته ماتيلدا، والعلاقة المتخيلة مع ساعي البريد مشهدا تراجيديا يخطر على بال التشيلي فيه (جميع الأفكار السياسية والحنق الذي يعتلي صدره بسبب بعده عن تشيلي في تلك اللحظة، التي أرتكبت فيها كل تلك الفظاعات).
أما أصالة عمل كتان، الذي ظل حتى لحظة وفاته منهمكا في تنقيح الأوبرا، فإنها تكمن في رهانه الخاص على تجسيد تلك العلاقة المتخلية بين الشاعر وساعي بريده، الذي قارنه مع دون كيخوته وسانشو بانثا. وهكذا اختار مغنيي تينور ليلعبا دوري البطولة بدل الثنائي المعتاد، الذي يجمع بين مغني تينور ومغني باريتوو (الجهير الأول). فقد اعترف الملحن المكسيكي في مقابلة أجريت معه في يوليو 2010 في لوس أنجليس أثناء التدريبات قائلا: (تعين علي أن أعيش لفترة من الزمن مع تلك الفكرة الوحيدة والأصيلة، تعين علي هضمها قبل تسويقها).
ورغم أنه فكر من حيث المبدأ بالمكسيكي رونالدو فيازون للعب دور نيرودا، إلا أنه لم يتمكن من ذلك لأسباب صحية، وسرعان ما فرضت شخصية بلاسيدو دومينغو نفسها، حيث يتقاسم الفنان الاسباني الأدوار في باريس مع تشارلز كاسترونوفو ودانييل منتينيغرو، اللذان يتبادلان دور ماريو، أما قائد الموسيقى فهو جان آيفيس أسونسي والبرازيلي رون دانييليس هو المسؤول عن الإخراج، حيث لم يتبق سوى أربعة عروض في باريس آخرها في 30 يونيو الجاري.
أما بالنسبة لجان لوك شابلن، مدير مسرح شاتيله، فإن هذا العمل يندرج في إطار مشروع الانفتاح على الجمهور والوصول إلى أكبر عدد من الناس. ففي عام 2008، عمل مع بلاسيدو دومنغو أيضا في (الذبابة)، وهي النسخة الأوبرالية من فيلم المخرج ديفيد كرونبيرغ والملحن هوارد شور، الذي يتعان عادة مع المخرج السينمائي والذي أسس عام 1986 فرقة موسيقة سينمائية متخصصة في أعمال الخيال العلمي.
