في العام 2009، وفيما كانت شرطة دبي منهمكة في التحري حول مصدر التشهير الإلكتروني الذي طال إحدى الفتيات عبر موقع «فيس بوك»، كانت الولايات المتحدة تعيش قصة تشهير من نوع شبيه، انشغلت بها وسائل الإعلام، وتدور حول خلاف بين مغنية وعارضة أزياء.

وقد تبدو دبي بعيدة عن ولاية كاليفورنيا الأميركية، لكن حين يتعلق الأمر بالتفكير الجدي الذي لا ينقطع حول الجرائم الالكترونية المتزايدة بفضل انتشار إعلام الشبكات الاجتماعية، والرغبة في وضع تشريعات قانونية تشمل هذا النوع من الوسائط الإعلامية.. فإن المكانين يبدوان قريبين جداً.

وينشغل عدد من المحامين والخبراء القانونيين في البحث عن اطر بإمكانهم التحرك ضمنها من أجل تأسيس بنية قانونية تتضمن الجرائم المرتكبة على وسائط الإعلام الاجتماعي، بدءاً من التزوير والتشهير، مرورواً بالابتزاز ووصلاً إلى ما هو أخطر من ذلك.

وقبل فترة، طالب محامون وخبراء تزييف، في الإمارات، باستحداث مختبرات متخصصة في الأدلة الجنائية للجرائم الإلكترونية، لتعين نتائجها القضاة للفصل في هذه القضايا في المحاكم، إضافة إلى تعيين خبراء في مجال تكنولوجيا المعلومات للاستعانة بهم في مثل هذه القضايا، متوقعين أن تشهد المحاكم خلال الفترة المقبلة زيادة في أعداد القضايا المرتبطة بمواقع الإنترنت الاجتماعية مثل «فيس بوك» و«تويتر» وغيرهما، في ظل تصاعد وتيرة سوء استخدام بعض الأشخاص لهذه التكنولوجيا في توجيه الإساءة للآخرين عبر نشر صور خادشة أو توجيه عبارات سب وقذف.

وينشغل هؤلاء بحقيقة مفادها أن الأحكام في هذه القضايا تصدر بناء على قناعة القضاة لعدم توافر الأدلة الجنائية المادية، لذلك فهم يسعون إلى تطوير القوانين والتشريعات لتشديد العقوبات بحق مرتكبي الجرائم الإلكترونية، وإنشاء نيابات متخصصة في هذه النوعية من الجرائم وتأهيل محققين متخصصين في هذا المجال.

ومع بزوغ نجم هذه الوسائط في العالم العربي واستخدامها في حركات تحررية وموجات معارضة، بدأت أيضاً أسئلة تثار حول المسؤولية القانونية للمدونين في حال تقدم طرف بشكوى متعلقة بالذم أو التشهير. وقد وضع موقعا «فيس بوك» و«تويتر» إطاراً قانونياً يحمي الشركتين وموقعيهما الإلكترونيين من التورط في تلك القضايا من خلال جعل مستخدم الموقع المسؤول كلياً عن مضمون صفحته الخاصة.

إلا أن الأطر القانونية لمقاضاة طرف عن مضمون في مواقع الإعلام الاجتماعي لاتزال غير محددة، بينما ينتظر المحامون والمراقبون قضايا محددة يقيمها القضاء لتصبح سوابق يعتمد عليها. وتنتقل حدود القضاء من مقاضاة وسيلة نشر معلومة قد تعتبر أنها تسهم في تشهير أو ذم، إلى مقاضاة الشخص المسؤول عن نشر المعلومة.

 

«إنك مسؤول»

وهناك فرق بين الإعلام التقليدي والإعلام الجديد في أن المتهم في قضية تشهير في الإعلام الجديد يكون من يكتب عبارة أو تصريحاً معيناً، بدلاً من وسيلة الإعلام التي تنشرها. وقد اتخذ موقع «تويتر» تدابير قضائية مسبقاً كي لا تتحمل على عاتقها المسؤولية القضائية حول ما ينشر على موقعها. وتحمي شركة «تويتر» نفسها من مقاضاتها مباشرة في حال تم استخدام الموقع لنشر معلومات خاطئة أو مغلوطة عن شخصية أو جهة معينة. وبموجب «شروط الخدمة» التي يوقعها كل من يفتح صفحة خاصة على موقع «تويتر»، يحدد الموقع مسؤولية مضمون الصفحة على صاحبها.

وقد أنشأ القائمون على «تويتر» نظام «تعريف» لمواقع المشاهير والشخصيات العامة على «تويتر»، ليعتبر أن «الحساب تم التحقق منه». ويمنح موقع «تويتر» علاقة خاصة زرقاء لكل حساب «تم التحقق منه» ليعلم القراء أن الموقع يمثل حقا الاسم المتعارف عليه.

ويقول البند الأول من شروط الخدمة: «إنك مسؤول عن استخدامك لهذه الخدمة وعن المضمون الذي تضعه على هذه الخدمة وأية نتائج بعدها». ويضيف البند الثاني: «تنبيه، ما تقوله على (تويتر) سيتم رؤيته فوراً»، مؤكداً أن «كل القوانين المحلية والإقليمية والوطنية والدولية تتبع بموجب هذه الشروط». وبذلك تخلي شركة «تويتر» نفسها من تحمل مسؤولية تبعات ما يتم نشره على موقعها. وأكد ناطق باسم الموقع أن «كل المحتوى، إذا تم بثه بشكل علني أو خاص، هو مسؤولية الشخص الذي بث هذا المحتوى. نحن لا نراقب أو نسيطر على المحتوى المعروض عبر هذه الخدمة ولا نأخذ مسؤولية عنه»، محذراً: «أي اعتماد على المحتوى أو المواد المبعوثة عبر الخدمة هي مسؤوليتك الخاصة».

 

شروط الخدمة

والأمر مماثل لموقع «فيس بوك» الإلكتروني، الذي يحدد عبر «المبادئ الأساسية» العشرة التي تحدد بنود الخصوصية التي تحمي مستخدمي الموقع، والتي يصادق كل مستخدم عليها قبل حصوله على صفحة خاصة. وينص «المبدأ» الثاني، وهي الكلمة التي يفضلها القائمون على الموقع عن المصطلح التقليدي «شروط الخدمة» في تحديد علاقته مع المستخدمين، على أن «يجب أن يملك الناس معلوماتهم، يجب أن يكون لديهم حرية تقاسمها مع أي شخص وأخذها معهم أينما يريدون بما فيها إزالتها من خدمة (فيس بوك)».

أما «شروط الخدمة» التي تنظم علاقة الموقع بمستخدميه، فتنص على «احترام حقوق الآخرين»، بما في ذلك «عدم وضع أي معلومات على (فيس بوك) تنتهك حقوق طرف آخر أو تنتهك القضاء»، مضيفاً أن الموقع يحتفظ بحق إزالة محتوى يعارض ذلك. ويشدد موقع «فيس بوك» على «حماية الملكية الفكرية»، حيث يمنع إعادة نشر صورة أو معلومات تعتبر ملكاً لطرف آخر، وفي حال ثبت ذلك يمتلك الموقع حق إزالة المحتوى. إلا أن في حال تمت مقاضاة الشخص الذي ينتهك الملكية الفكرية، يعفي الموقع نفسه من أي مسؤولية.

 

6خبراء تشغلهم جرائم الشبكات الاجتماعية

صور فاضحة

يوسف الشريف، محام: محاكم الدولة بدأت منذ وقت قريب النظر في عدد من القضايا المرتبطة بشبكة الإنترنت، إذ استغل أفراد المساحات المتاحة داخل الشبكة العنكبوتية في الاعتداء على خصوصية الآخرين سواء بنشر صور فاضحة لهم أو توجيه السب والقذف وخدش حيائهم.. لقد ترافعت مؤخراً في قضيتين استخدم فيهما المتهمان البريد الإلكتروني للإساءة لآخرين، ودانت المحكمة أحدهما بالحبس ثلاثة أشهر والإبعاد عن الدولة للتشهير بالمجني عليه، إضافة إلى سبه وقذفه، مستندة هيئة المحكمة في حكمها إلى الرسالة الإلكترونية التي أرسلها المتهم إلى المدعي.

 

قناعات شخصية

علي العبادي، محام: الأحكام في القضايا الإلكترونية تخضع في العادة إلى قناعة هيئة المحكمة ورؤيتها لما تحتويه أوراق القضية ومن ثم تقرر الإدانة أو البراءة وتقدير العقوبة العادلة بحق المتهمين في مثل هذه القضايا.. إنه من الصعوبة إثبات أدلة الجريمة على المتهمين في القضايا الإلكترونية، إذ ينكرون دائماً أنهم الفاعلون الحقيقيون وأن هناك آخرين ارتكبوا هذا الفعل مستغلين أسماءهم أو مواقعهم الإلكترونية الشخصية زيادة هذه النوعية من الجرائم يستدعي استحداث مختبرات للأدلة الجنائية الإلكترونية وتوفير أدوات تكنولوجية وتقنية عالية.

 

تدريب خاص

يحيى الديب، الخبير في مجال التزييف والتزوير: من الأهمية أن تكون هناك كوادر بشرية مدربة تدريباً عالياً على كشف الأدلة الجنائية في الجرائم الإلكترونية بحيث يتم الاستعانة بهم في إثبات أو نفي التهم عن الأشخاص المشتبه فيهم، ومن ثم يكون من السهولة إصدار الأحكام القضائية بحق المتورطين على سند ما يتم كشفه من أدلة لا يمكن إنكارها. الجزء الكبير من عمل الأدلة الجنائية الإلكترونية المفترضة يتوقف على توفير كوادر فنية تعمل في مجال تكنولوجيا المعلومات تكون قادرة على استخراج البيانات والمعلومات وتتبع خيوط الجريمة.

 

فجوة تشريعية

هشام الرفاعي، مستشار قانوني: هناك قصور في التشريعات لا يلبي مواكبة التطور السريع للجرائم الالكترونية، سواء من حيث وضع نصوص التجريم التي تحدد ماهية الأعمال المادية المكونة للجريمة الالكترونية، أو من حيث وضع النصوص القانونية المنظمة لقواعد الإثبات الجنائي في الجرائم الالكترونية، فضلاً عن قصور التعاون الدولي في مجال مكافحة الجريمة الالكترونية، إذ لم ترق الاتفاقيات الدولية في مجال مكافحة الجريمة الالكترونية إلى المستوى المطلوب.

 

فيس بوك اصفر

مارك فيلدستاين، بروفسور في كلية الإعلام والعلاقات العامة في جامعة جورج واشنطن: «الوضع العام في الولايات المتحدة هو أن الطريقة الوحيدة لتصويب تصريح معين هو إما من خلال تصريح ينفي التصريح الأول وإما من خلال رفع قضية في المحاكم. يعاني الإعلام التقليدي من بعض الصحافيين الذين لا يمكن الاعتماد عليهم أو من الصحف الصفراء، إلا أن هذه كانت نسبة قليلة وتجد من الصعب أن تواصل النشر والانتشار، إلا أن الإنترنت غير ذلك، فالآن الفضاء الإلكتروني وإلى ما لا نهاية».

 

الأعمال بالنيات

مات وود، خبير في معهد «برنامج تواصل الإعلام» بواشنطن: هناك قضايا معروفة أقرتها المحكمة العليا الأميركية تنص على حماية حرية التعبير في الحديث عن شخصية عامة إلا إذا كان هناك إثبات بنيات خبيثة للضرر بتلك الشخصية، إما جسدياً وإما مالياً وإما معنوياً.. المسألة ترتكز على النتائج بدلاً من الحديث نفسه.. هناك تركيز أيضاً على نيات الجاني أو المتهم في قضايا التشهير والحكم على نياته، بالإضافة إلى النتائج التي تسبب بها. أحذر من التسرع في الحكم على قضايا التشهير على مواقع الإعلام الاجتماعي.. فهو ما زال مجالاً جديداً نسبياً، ولكن القواعد القضائية للتعامل معه مازالت قاصرة.