«هل تعرف أين محطة الأقمار الصناعية؟»، عامل المحطة يبتسم: «لقد وصلت سيدي»، مشيرا إلى مجموعة من الصحون اللاقطة الضخمة ثبتت وراء سور منخفض يخفي وراءه المكان الذي تقصده.
الوصول إلى المكان، من دبي، استغرق، بالسيارة، أكثر من ساعتين. كانت الصحراء ممتدة بعمق تشعر أنه لا ينتهي. طريق الإسفلت يلمع تحت شمس تفوق حرارتها الأربعين. إشارات الطريق لا تنقطع، تدلك على الوجهة المقصودة: «سويحان» في منطقة الفلاح في أبو ظبي. لا تشغلك طوال الطريق سوى فكرة واحدة: كيف ستكون طبيعة هذا المكان الذي يجري التحكم منه بالقمر الصناعي الجديد «واي1 ايه»، مالئ الدنيا وشاغل الناس؟ منذ 23 ابريل الماضي، ولا حديث للأوساط المهتمة بشؤون الاتصالات ووظائفه، إلا عن القمر الصناعي الذي أطلقته شركة «ياه سات» المتخصصة بالاتصالات الفضائية والداعمة لطموحات العاصمة أبوظبي بلعب دور حيوي في هذا المجال.
المهتمون بالاتصالات والشؤون العسكرية لهم نصيبهم من هذا النقاش، لكن الوصول إلى «السويحان» يهدف إلى نقاش من نوع آخر: ثورة حقيقية سيقودها القمر الجديد في مجال الإعلام التلفزيوني.
إحساس الحماسة يطغي عليك وأنت تفكر في زيارتك لمكان يحتضن خبراء سيغيرون وجه التلفزيون. حماسة طاغية لدرجة تجعلك تنسى أن تتأكد أن خزان «بنزين» السيارة يكفي لرحلة العودة بعد انتهاء المهمة!
«ليس بعد الآن»!
تستقبلك صبية بلباسها الإماراتي بابتسامة حال ولوجك مدخل المبنى الأفقي، بعد إتمام إجراءات السلامة. حيويتها تشبه حيوية عشرات المهندسين الإماراتيين المتواجدين منذ باكر الصباح في مكاتبهم، يشرفون على توجيه القمر الصناعي وتطبيقاته المتنوعة. «أهلا بك، السيد محمد يوسف بانتظارك»، تقول.
في مكتبه يشرح الرئيس التنفيذي لشركة «ياه لايف» محمد يوسف العلاقة بين الشركة والشركة الأم «ياه سات»، وهي شركة مملوكة بالكامل لشركة الاستثمار الاستراتيجي لحكومة أبوظبي «مبادلة للتنمية». يقول:«ياه لايف هي شركة خاصة مسجلة في الإمارات ذات رأسمال يبلغ 150 مليون دولار تملك على ياه سات 23 قناة قمرية».
الشركة، التي تتوزع ملكيتها بين 65% لـ«ياه سات» التابعة لحكومة أبو ظبي و35% للشركة العالمية أس اي أس استرا التي تدير من لوكسمبورغ أكثر من 41 قمرا صناعيا في العالم.. ستتحكم في تأمين المحتوى التلفزيوني على القمر: «لن تكون هناك أي قناة تبث من ياه لايف بتقنية عادية.
انه أشبه بنادي خاص وحصري للقنوات التي تبث بتقنية عالية الوضوح أتش دي.. لن تدخل إلى فندق في أي بلد أوروبي وتشاهد بثا ضعيفا لقناتك العربية المفضلة.. لن يكون من السهل التشويش على قناة مستهدفة.. لن يضطر مشغلو القنوات التلفزيونية إلى استثمار مئات آلاف الدولارات للتحول من البث العادي إلى عالي الوضوح، سنؤمن لهم هذا الخيار مجانا.. لن تضطر قناة أوروبية متوجهة إلى العالم العربي من دفع تكاليف باهظة لجر إشارتها عبر المحيطات..».
لائحة طويلة من الـ«لن» تفتح شهيتك لمجرد سؤال يوسف، ما تخيلته سؤالا بسيطا: ما الفرق بين «ياه لايف» والأقمار الأخرى المتوفرة اليوم، مثل «نايل سات» و«عربسات»؟
كلمة السر «إتش دي»
فيما أنت منسجم بمشاهدة حلقتك المفضلة من مسلسل «لوست» لن يخطر في بالك الأسباب الكثيرة والمعقدة التي تجعل جودة الصورة المشاهدة أقل من المتوقع. فبعيدا عن صالة الاستقبال في بيتك حيث ثبت جهاز التلفاز، ترسل المحطة التلفزيونية التي تبث «لوست» اشارتها إلى القمر الصناعي الذي تتواجد عليه، لكي يعيد إرسالها إلى الصحن المثبت على سطح بيتك أو شرفتك.
قد تبدو العملية بسيطة، لكن مجموعة عناصر بدءا من المساحة التي تشغلها القناة على القمر وصولا إلى حجم الضغط الذي تتعرض له، مرورا بتقنية البث من الاستوديو، وحجم الصحن على السطح، وصولا إلى نوعية الشاشة وجهاز الاستقبال والكيبل بينهما..كل ذلك يؤثر على الصورة:» هناك على كل قمر صناعي حاضنات تسمى القنوات القمرية. تتسع كل قناة قمرية (ترانسبندر) لعدد من القنوات التلفزيونية. الأقمار الأخرى قد تضع 16 قناة تلفزيونية على كل ترانسبندر. نحن لن نضع أكثر من ستة وهذا يجعل جودة البث أفضل».
يقول مضيفا:«ليس هذا كل ما في الأمر. في العادة، وكما هو متبع بالنسبة إلى القنوات التي نشاهدها في العالم العربي، فإن مساحة كل قناة على ترانسبندر تشغل ما لا يزيد عن 6 ميغ بحد أقصى، وبدرجة ضغط تسمى MPEG2 ، نحن غيرنا المعادلة: الحد الأدنى للمساحة التي نمنحها هو 8 ميغ وبدرجة ضغط تسمى MPEG.4 وكأننا منحنا القناة مساحة 12 ميغ مقارنة بالوضع التقليدي. هذا، حين تضيف إليه تقنية الأتش دي، سيضمن جودة الإرسال».
رحلة طموحة
وتخطط «ياه لايف» إلى وضع 70 قناة تلفزيونية في الوقت الحالي على القمر الصناعي، مع العلم أنها قادرة على وضع أكثر من 120 قناة: «لكن القنوات لن تكون موجهة إلى نطاق التغطية ذاته. فقد تكون إحداها متوجهة من أوروبا إلى العالم العربي وأخرى بالعكس». وتطمح الشركة إلى جذب «القنوات العشر الأكثر مشاهدة في العالم العربي ومن بينها قنوات تابعة لمؤسسة دبي للإعلام مثل تلفزيون دبي». ورغم أن تقنيات قياس المشاهدة ليست متوفرة بشكل دقيق، الا أن شركات دراسات السوق مثل «ايه سي نيلسون» قد حددت لـ«ياه لايف» معطيات تقريبية عن أهم هذه القنوات.
وتراهن الشركة على جودة البث والمضمون من أجل النجاح في مهمتها التسويقية. وسيتم الإعلان في القريب العاجل عن حزمة القنوات التي جرى الاتفاق معها: «قدمنا إلى القنوات التي لا تبث بطبيعتها بتقنية أتش دي خدمة تحويل بثها بشكل مؤقت إلى جودة أتش دي عبر عملية تقنية تشميل تركيب أجهزة خاصة في منصات البث لديها، ريثما تتحول بالكامل إلى أتش دي من المنشأ».
الرحلة قد تبدو طويلة بالنسبة إلى «ياه لايف» لكن ما تحقق يجعلها أقصر بكثير، ومع تحضر «ياه سات» لإطلاق قمره الثاني، ثم الثالث في فترة لاحقة، تغدو الإمكانات والطموحات واعدة.
عند البوابة الخارجية، تفكر: «الرحلات دوما مليئة بالإثارة والتحدي، طالما العزيمة موجودة، والخزان ممتلئ»!
