توفي المخرج والمنتج وكاتب السيناريو الأميركي سيدني لوميه، في الشهر الماضي، وتحديدا في 9 ابريل 2011، مخلفا وراءه تراثا فنيا يزيد على 50 فيلما سينمائيا. ورغم أن رؤيته السينمائية كانت سابقة لعصره، إلا أنه لم يحصد إلا جائزة أوسكار واحدة فخرية عن الإخراج.
مسار فني
ولد سيدني لوميه في ولاية بنسلفانيا عام 1924 لأب احترف التمثيل ولأم احترفت فن الرقص، وقد ساعدته هذه الأجواء العائلية الفنية في الاقتراب من عالم الفن، حتى دخل مسارح برودواي في الثلاثينات من القرن الماضي ممثلا ثم مخرجا في مطلع الخمسينات، وقد وقع عقداً مع مؤسسة "سي بي أس" التلفزيونية، حيث أخرج العديد من حلقات مسلسل الجرائم والتحقيقات "الخطر"، وغيرها من المسلسلات الناجحة، ليصبح أهم مخرج تلفزيوني في تلك الحقبة.
في عام 1957، وجد الفرصة ليبدأ مسيرته السينمائية عندما دعاه الممثل الشهير هنري فورد لإخراج فيلم "اثنا عشر رجلاً غاضباً" الذي حقق نجاحا باهرا. وتوالت أفلامه السينمائية التي شارك فيها العديد من نجوم هوليوود، وأضاف لهما شريطين مع الممثل آل باتشينو في السبعينات، وهما "سيربيكو" و"عصر يوم قانط". وقد رشح هذا الأخير لعشر جوائز أوسكار وفاز بأربع عن التمثيل والسيناريو. ورشحت أفلامه لخمس جوائز أوسكار عن الإخراج، وفاز بواحدة فخرية. يقول سبايك لي: "إن أعماله الخالدة تعيش معنا إلى الأبد"، أكثر من الأوسكار.
باكورة الأعمال
تقول مجلة "إمباير" السينمائية في تقرير حديث لها، إن باكورة أعمال لوميه "اثنا عشر رجلاً غاضباً"، شكلت أفضل فيلم دراما سينمائية مصورة داخل قاعة المحكمة، كما أن هذا الفيلم شكل النموذج الذي سيمضي فيه المخرج لاحقاً في أفلامه، حيث الأعمال الحميمة التي يحركها النقاش وتقودها القضايا التي تفجر الغضب المبرر أخلاقيا. فقد عالج لوميه مواضيع مثل الظلم في "اثنا عشر رجلاً غاضباً" والفساد في "سيربيكو" وثقافة الغباء في "الشبكة"، وبدت أفلامه وكأنها تتحدث باسم كل من يكافح ضد النظام الفاسد والظالم وفاقد الروح، لذا عندما ينفجر هوارد بيل، الذي يمثل دوره الممثل بيتر فينش في فيلم الشبكة، ويصرخ قائلا: "لقد أصبحت مجنونا بامتياز ولن أقبل بأقل من هذا بعد الآن"، يشعر الجميع بالتفاعل معه.
لقد أغدق الكثيرون الثناء عليه، وكان أهمهم المخرج والممثل وودي ألن، الذي صفق له وقال:"إنه صانع أفلام نيويورك الجوهرية"، فأفلامه مثل سيربيكو و"وعصر يوم قانط" و"أمير المدينة" وصفت نيويورك تماما كما فعلت أفلام مثل "سائق التاكسي" و"مانهاتن". أما أسلوبه، أو بالأحرى غياب الأسلوب الظاهر لديه، فقد ترك أثرا لا يقل أهمية على عالم السينما، حيث ساعدته تجربته العملية مع المصور السينمائي فيكتور كمبر والمحرر ديدي ألن، في تطوير مذهب طبيعي ينقل وقائع الحياة اليومية كما هي، وهو ما أصبح لاحقاً معيارا يعتد به في الدراما الحضرية.
سعة الأفق
تتمتع العديد من أعمال لوميه بسعة الأفق، حيث ركز فيها على معالجة دسائس الإعلام، مثل فيلم "عصر يوم قانط" الذي يشكل أولى تلك الأفلام، حيث الأخبار تنقل الأحداث، أو فيلم "شبكة" الذي توقع انتشار "برامج الواقع" قبل 30 سنة. ورغم عدم نجاح كل أفلامه، إلا أنها كانت دوما تطرح أسئلة من صميم الحياة، كما كان لوميه معروفا انه من أكثر المخرجين الأميركيين غزارة في الإنتاج السينمائي.
