صحيفة متميزة

ليست «لوموند» صحيفة ككل الصحف، إذ إن لها على الساحة الإعلامية الفرنسية وضعية خاصة اكتسبتها طيلة سنوات بفضل جديتها ورصانة محرريها وبعدها عن الضغوط المالية بفضل تركيبة رأسمالها وقوة موقع محرريها في أسلوب اتخاذ القرار. فالصحيفة التي أسسها هوبير بوف ماري في 18 ديسمبر عام 1944 كانت بداية من صفحة واحدة على وجهين. لكنها تطورت بسرعة لتصبح صحيفة النخبة. واختارت سياسيا موقع يسار الوسط، من غير أن يعني ذلك ميلها المنهجي لهذا التيار الفكري ومعارضتها للتيار الآخر.

 

الوجه الخفي

بدءًا من العام 2003، بدأت الصحيفة تفقد نسبة من قرائها. لكن ذلك لم يكن الأمر الأصعب، بل انتقاد صحافيين سابقين فيها، عبر كتاب تحت عنوان «وجه لوموند الخفي». حيث نشر كل من كولومباني وألان مانك كتابا استنكرا فيه أن يتقاضى رئيس التحرير 26 ألف يورو كمرتب شهري في مطبوعة تعاني الخسائر، ونددا بالتوجه التحريري الذي أريد له أن يكون مطاطا حتى يستجيب لمصالح اقتصادية نفعية.

 

صدمة الثمانينات

لجريدة لوموند سمعة جيدة وصورة حسنة خارج فرنسا، كأكبر وأعرق الجرائد العالمية وأكثرها جدية وسعيا وراء الحياد والمهنية. وكان خط تحرير الجريدة فيما مضى يوصف بكونه ذا اتجاه «يساري وسطي»، لكنه يوصف اليوم بكونه «معتدلا». لكن في 1981 خرجت الصحيفة عن حيادها، وساندت «فرانسوا متيران» في حملته الانتخابية الرئاسية، معللة ذلك بكونها ترى في التناوب بين اليسار واليمين على الإليزيه «خيرا وصلاحا لفرنسا».

 

ساركوزي و"الإغواء"

في صباح التاسع من يونيو 2009، كان الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي لا يزال مصرا على «غواية» أصحاب الجريدة الفرنسية الأشهر، وإقناعهم بعدم بيعها لتحالف شركات، بل قبول دعم الرئاسة الفرنسية. الرئيس استدعى يومها مدير تحرير صحيفة «لوموند» ورئيس مجلس إدارتها أريك فوتورينو ليبلغه بكلام لا لبس فيه أنه لا يريد أن تباع هذه الصحيفة العريقة التي رأت النور عام 1944 بناء لرغبة بطل تحرير فرنسا من الألمان النازيين الجنرال شارل ديغول إلى الثلاثي المتشكل من ثلاثة رجال أعمال يميلون إلى اليسار.

 

فوز «الثلاثي» المرح

لم ينجح الرئيس في مهمته، وفي منتصف عام 2010، كان الصحيفة قد باتت مملوكة لرجال أعمال هم بيار بيرجيه، المدير السابق لمجموعة «إيف سان لوران» ورفيق درب هذا الأخير. والاثنان الآخران هما: المصرفي بيار بيغاس، المساعد السابق لمدير صندوق النقد الدولي المستقيل دومينيك شتروس خان ومدير لمصرف لازار الخاص، في أوروبا وكزافيه نييل، مؤسس شركة «إيلياد» لخدمات الهاتف الجوال والإنترنت. وصوت مجلس الرقابة على مجموعة «لوموند» بفارق صوت واحد لصالح الثلاثي المذكور.

 

فضيحة «كزافييه»!

حال اعلان شراء «لوموند» العام الماضي من قبل مجموعة الثلاثي، شنت الصحف البريطانية حملة على أحد الملاك وهو رجل الأعمال كزافيه نييل البالغ من العمر 42 عاما والذي تقدر ثروته بحدود 2.5 مليار يورو جمعها سريعا بفضل «حسه» وذكائه في ميدان الأعمال. غير أن نييل لم يكن دائما شفافا إذ أن بعض هذه الثروة جاء عن طريق الصناعة الجنسية (البورنوغرافية) وهو ما ركزت عليه الصحافة البريطانية بعد إتمام عملية الشراء. وكانت المفارقة أن تقع صحيفة تميزت بالرصانة وباللغة المرهفة وبتقصي الخبر في يده.