لم يكن السؤال الذي وجهته «البيان» لرئيسة تحرير جريدة «لوموند» الفرنسية سيلفي كوفمان خلال إحدى جلسات «منتدى الإعلام العربي» الأسبوع الماضي في دبي، مفاجئاً. فالسؤال، الذي أراد إجابة عن سبب انتظار صحيفة بحجم «لوموند» لوثائق «ويكيليكس» لكي يعرف الجمهور الفرنسي من خلالها أن العدد الفعلي لضحايا الحرب على العراق هو خمسة أضعاف الرقم المعلن.. السؤال يفتح الباب أمام أسئلة أخرى عن مفهوم الصحافة الاستقصائية، الذي ميز مسيرة «لوموند» خلال أكثر من خمسة وستين عاما، وأسباب غيابه، وتخلي الصحافيين عن دورهم في السعي وراء كشف الحقائق، بحجة التكلفة الاقتصادية العالية للحقيقة، تارة، أو الأسباب السياسية تارة أخرى.

لم تجب كوفمان عن السؤال، من فوق المنصة، وبررت لاحقا أن «الوقت لم يسعفها»، لكن «البيان» التقتها بعد الندوة، وأعادت طرح هذا السؤال عليها، كما أسئلة أخرى.

تقول كوفمان: «يجب علينا أن نفرق بين مرحلتين، الأولى مرحلة الحرب على العراق، والثانية ما بعد العملية العسكرية وأثناء التواجد الأميركي»، وتضيف: «في المرحلة الأولى كان من الصعب علينا الحصول على المعلومات، اذ إن الصحافيين الفرنسيين لم يكن لديهم رغبة بالالتزام بالتعليمات المعطاة من قبل القوات الأميركية. وكانت هذه هي الطريقة الوحيدة للحصول على المعلومات. أما المرحلة التالية التي بهتت فيها هيمنة القوات الأميركية، فإن مشاكل اقتصادية واجهتها الصحيفة جعلتها غير قادرة على تحمل تكلفة إرسال عدد من الصحافيين إلى بغداد. هذا يحتاج إلى موازنات كبيرة تتضمن التأهيل والتدريب والتأمين على الحياة والمعدات في مناطق الخطر وغيرها».

وفي الشق الأول، يبدو موقف كوفمان متناسقا مع تصريحات سابقة لطالما وردت في افتتاحيات الصحيفة قبل سنوات. ففي العام 2008، أي بعد مرور خمس سنوات على الحرب على العراق، نشرت الصحيفة افتتاحية جاء فيها أنه: «لا أحد يعرف عدد العراقيين الذين قتلوا نتيجة أعمال العنف في هذا الصراع». وقالت الصحيفة إن الولايات المتحدة تحصى عدد الضحايا في صفوفها، لكن الضحايا العراقيين لا يزالون محل تقديرات متناقضة، فهم يقولون إن قتلاهم الآن نحو أربعة آلاف، أما العراقيون، فحسب الدراسات المختلفة، يتراوح عدد قتلاهم بين مئة ألف و بين مليون ومائتي ألف، وذلك منذ العام 2003.

صرخة «لوموند»

وفي تقريرها، الذي اعتبر آنذاك، بمثابة «صرخة»، لصحيفة دأبت على نشر الحقائق لقارئها، استعانت «لوموند» بتحليلات زميلتها «الغارديان» التي حاولت إعطاء تفسير لسبب إضفاء الأميركيين الضبابية على هذا الموضوع، قائلة إن دأب الأميركيين خلال حرب فيتنام على إعطاء أعداد القتلى بين الثوار الفيتناميين كان القصد منه إقناع الشعب الأميركي بأن النصر كان قريبا، لكن إحصاء القتلى كان له أثر عكسي، إذ أدى إلى تعاطف الرأي العام معهم، وأعطى مبررات إضافية لدعاة وقف الحرب. لذلك فتجربة الأميركيين بفيتنام جعلتهم يديرون الحرب في العراق بطريقة مغايرة تماما. فقد أوقفت وزارة الصحة العراقية التصريح بعدد القتلى العراقيين الذين يصلون المشرحة، وذلك بأمر من الحكومة العراقية المدعومة أميركيا.

في الشق الثاني، المتمثل بالأزمة الاقتصادية التي واجهت الصحيفة ، بدءا من العام 2008، وكادت ترمي بها في براثن الرئاسة الفرنسية، ما يعني فقدانها استقلاليتها، يمكن تلخيص أحداثها على الشكل التالي: بسبب تطور الإنترنت وتناقص العائدات الإعلانية والمنافسة الشديدة من قبل الصحف الأخرى، ومنها الصحف المجانية، لم تنج الصحيفة الفرنسية العريقة من أزمة مالية، كما لم تنج من المشكلات السياسية بعد أن مالت مع مديرها السابق جان ماري كولومباني إلى يمين الوسط ووقعت تحت تأثير ألان مينك.

وهو اقتصادي يميني قريب من الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي. غير أن الأزمة الأخيرة التي عانت منها «لوموند» كانت الأخطر، وكادت أن تودي بها بسبب الديون التي تراكمت عليها، والتي دفعت بها إلى حافة الهاوية، إلى درجة أن تجمع الشركات الثلاث الذي فاز بشرائها في يونيو من العام الماضي، قام بضخ مبلغ عشرة ملايين يورو، على الفور، لدفع رواتب الموظفين ومواجهة الاستحقاقات المالية الملحة. وحتى العام الماضي، كانت ديون لوموند قد بلغت 94 مليون يورو. وخسرت في العام 2009 25.2 مليون يورو فيما بلغت مبيعاتها 397 مليون يورو. وبلغ معدل توزيعها اليومي للعام نفسه 288 ألف نسخة، متراجعا بذلك بقوة عما كان عليه قبل عام واحد (أكثر من 300 ألف نسخة). لكن الصحيفة بقيت الأكثر توزيعا خارج فرنسا.

وتعاني المجموعة الصحافية من ارتفاع حجم الرواتب، ومن العدد المرتفع لموظفيها؛ محررين وموظفين من كل الفئات، إذ إنها تستخدم أكثر من ألف شخص، بينهم 288 محررا لصحيفة لوموند وحدها. والجريدة المذكورة تتميز بأنها تصدر بعد الظهر، وتحمل تاريخ اليوم التالي. ومن الدلائل التي تؤشر على أزماتها منذ سنوات اضطرارها لتغيير مكاتبها أربع مرات. وكانت تعرف طيلة عشرات السنوات بصحيفة «شارع الإيطاليين» لأنها كانت تصدر من بناية مطلة على الشارع المذكور.

 

أسرار ساركوزي

وبعد أن تمكنت «لوموند» من انقاذ نفسها من سيطرة ساركوزي عليها، عمدت إلى الاتفاق مع موقع «ويكيليكس» على نشر الوثائق السرية بشكل حصري. ويبدو أن «أسرار» ساركوزي كانت هدفا لها: «بطبيعة الحال، هذا ما يهم القارىء الفرنسي، لكننا نشرنا ايضا الوثيقة التي تحدثت عن الأرقام الحقيقية لقتلى العراق»، تقول كوفمان، معللة عدم اقدام صحافييها على كشف الأمر قبل «ويكيليكس» بتكلفة مالية لا يمكن تحملها لإرسال صحافيين استقصائيين إلى الميدان العراقي. ولكن، هل قامت الصحيفة بنشر تحقيقات وتقارير تتابع ما كشفه «ويكيليكس»، وهو ما لا يحتاج إلى تكلفة مالية عالية؟ ترد رئيس التحرير باقتضاب:«لا، لم نفعل. علينا ان نقوم بذلك، فعلا»!