الفنون هي الجسر الواصل بين مفهوم الإنسانية والحضارة البشرية، وذلك لمقدرتها الحقيقية على أن تخترق مبدأ الفكرة وأن تحولها إلى واقع نتعايش معه ونتفاعل معه ونتقبله. وعندما نتحدث عن الفنون نتذكر معها الإبداع كأساس وداعم لاستمرار ما هو جديد ومتطور وغير مألوف باستخدام الموهبة، لنتوج بعدها مملكة العمل الفني بقلم أو فيلم أو صورة أو لون صادق ينقل لنا حياتنا في إطار متوازي الأضلاع يحترم عقولنا كمتذوقين ومشاهدين للساحة الفنية.
إلى ذلك بدأت تبرز العديد من الأعمال الفنية الإبداعية كالأفلام السينمائية في الإمارات بجهود فردية ودعم حكومي جيد، ونال العديد منها جوائز في مهرجانات سينمائية محلية وعالمية، فيما يدعونا للتساؤل حول ماهية دور شراكة رجال الأعمال والقطاعات الخاصة في صناعة هذا المجال والدواعي الحقيقية التي تمنع من حصول تجاوب قوي وفعال بين الأعمال الفنية الإبداعية والقطاعات الخاصة.
قلة وعي بها
يؤكد ياسر القرقاوي، مدير الفنون الأدائية في هيئة دبي للثقافة، أن هناك دعماً جيداً وجميلاً من قبل رجال الأعمال والمؤسسات الخاصة على عدد معين من القطاعات الفنية كالفنون التشكيلية، وأنها تمتلك نصيب الأسد من الدعم وذلك لأسباب معينة منها أنها غير مكلفة ولا تحتاج إلى ميزانيات مخصصة.
وفي المقابل كما يشير القرقاوي أن الأفلام السينمائية أو استضافة المهرجانات المسرحية بعيدة دائماً عن اهتمامات رجال الأعمال والقطاع الخاص بصورة رئيسية ويتجنبون الخوض في هذا المجال وذلك لقلة وعيهم بأهمية هذه الأعمال الفنية ومردودها المجتمعي والمعنوي كأداة إبداعية وتطويرية وصاحبة رسالة صادقة للأفراد.
ولفت إلى اهتمام رجال الأعمال والمؤسسات الخاص بالدعم الاجتماعي كبناء المستشفيات وشراء الأدوية وغيرها، لأنها تقدم سمعة جيدة لصاحبها أو للمؤسسة في المجتمع، مشيراً إلى أن مسألة السمعة المجتمعية تعد المطلب الأول عند بعض رجال الأعمال كقبول جيد واحترام متبادل يحصل عليه الشخص من الأفراد، مضيفاً أن العمل الاجتماعي هو الأقرب إلى الأفراد في المجتمع من الصناعات الفنية كالعرض السينمائي أو الانتاجات المسرحية أو الفرق الفنية في مفهوم رجل الأعمال والمؤسسات الخاصة.
مسؤولية وطنية
وعبر رجل الأعمال جمال قاسم سلطان، من مجموعة سلطان للاستثمار، عن تجربته في دعم الفيلم الإماراتي القصير «تنباك» للمنتج والمخرج الإماراتي عبد الله حسن أحمد، والذي حصد العديد من الجوائز في الكثير من المهرجانات السينمائية المحلية والعربية، لافتاً الى أنها بدأت كفكرة قدمتها مجموعة من الشباب الإماراتيين الموهوبين بتصوير نص كفيلم سينمائي يتحدث عن حقبة الخمسينات في الإمارات، يطرح موضوعاً اجتماعياً يمس المجتمع ويهدف إلى إرسال قيمة إنسانية مؤثرة وفعالة للمشاهد، مؤكداً أن موافقتهم لدعم الفيلم أتى من إحساسهم بالمسؤولية الوطنية بالدرجة الأولى بعيداً عن أي تحصيل لمردود مادي أو تسويقي للمجموعة، مشيراً إلى أن رجال الأعمال لهم دور حقيقي في تفعيل الأعمال الفنية من خلال سعيهم توفير كافة الوسائل لنجاح العمل وذلك لما تمثله الفنون من واجهة وناقل مؤثر عن صورة الإمارات سواء على المستوى المحلي أو في الخارج.
ثقة رجل الأعمال
وحول ثقة رجال الأعمال بالأعمال الشبابية المحلية عقّب جمال سلطان أنها مسألة تعتمد على أدوات الفيلم من سيناريو ومخرج وممثلين وفريق عمل جاد قادر على تحمل مسؤولية خلق صورة سينمائية بعيده عن أي مغالطات لرسالة السينما الأساسية وهي الصدق في عقد حبكة منطقية تحترم المشاهد من غير إساءة أو تشويه. ولفت إلى أنه بعد إنجاز فيلم «تنباك» عرضت عليهم العديد من الأعمال الفنية والتي قامت المجموعة بالنظر فيها والتدقيق في فحواها ورسالتها، حيث تم قبول البعض ورفض الآخر ليس لعجز المجموعة عن احتوائها لجميع المشاريع الفنية ولكن لما يحمله هذا التوجه من مسؤولية، موضحاً أن مجموعة سلطان غير متخصصة في هذا المجال وأن دعمها يعتبر بادرة ومساهمة وطنية لا أكثر.
شراكة بين الفن ورجال الأعمال
اعتبر الكاتب والمخرج السينمائي الإماراتي محمد حسن أحمد، أن دعم رجال الأعمال للعمل الإبداعي يجب أن يكون مبنياً على شراكة متبادلة بين رجال الأعمال والفن أولاً قبل الفنان، موضحاً أن الدعم من رجال الأعمال في الإمارات ناقص جداً ويرجع ذلك لأسباب عدة أهمها فقدان مجتمعنا للوعي بأهمية الفن وصناعته، مشيراً إلا أنه تم دعم بعض الفنون لأسباب شخصية بالهواية أو من خلال أنشطة تقوم بها بعض الشخصيات والمؤسسات.
وحول طبيعة الدعم أكد حسن، «أن تجعل رجل الأعمال يستوعب فكرة الإبداع أولاً هي الخطوة الأولى للحصول على الدعم»، لأنه وبواقعية ليست كل الأعمال تستحق الدعم، بالإضافة إلى أنه لا يمكن أن يكون هناك دعم لكل الأفكار الإبداعية، لافتاً إلى أن الدعم المادي أساس استمرارية أي نوع من الفنون الإبداعية. وأوضح أنه لا يمكن اعتبار الفن الإبداعي عملاً لمن لا عمل له، منتقداً بذلك ظهور بعض الأقلام الضعيفة في الصحف، مطالباً بدعم حكومي.
وأشار إلى أن هناك أسماء مكررة ومعروفة داعمة للفنون، بالإضافة إلى رجال أعمال مثقفين لكنهم غير مقتنعين بوجود المبدع الحقيقي، وأرجع ذلك إلى الإعلام الذي بات يقدم كل يوم مخرجاً جديداً بصفحة كاملة وفنان بشكل عادي، مضيفاً أنه يجب أن يكون هناك تقارب بين الاقتصاد والثقافة، لأن الحضارات تقاس بالموروث الثقافي بينما النمو وبالاقتصاد.
فرصة دعم
وقالت راوية عبدالله، إحدى المواهب الإماراتية الشابة والحاصلة على الجائزة الأولى عن فئة الأفلام القصيرة ضمن مسابقة الطلبة في النسخة الثانية لمهرجان الخليج السينمائي، أن دعم رجال الأعمال والمؤسسات الخاصة ليس بالمستوى المطلوب للفنون الإبداعية كالأفلام السينمائية، وذلك لاهتمامهم بالمردود المالي، مضيفة أنها كموهبة شابة في بداية الطريق تبحث عن أي فرصة دعم حقيقية تؤمن بقدراتها، مؤكدة أن المؤسسات الخاصة توجه لهم دائماً سؤالاً عن ماهية الاستفادة المرجوة من دعم فيلم سينمائي أو إبداعي سوى جائزة أو سمعة وهي لا تمثل لهم شيئاً كالمردود المالي والربحية.
وأضافت راوية أنه يجب على رجال الأعمال والقطاعات الخاصة أن تكون على وعي حقيقي بأهمية الدعم للعمل الإبداعي بعيداً عن تقييمه كصفقة أو بزنس، بل يتم قياسه كقطاع حيوي ومؤثر وصناعة لها مستقبل على المدى البعيد.
