إنها الإعلانات «المموهة»، أو ما يعرف عنها بلغة التسويق «براند بليسمنت»، وتتمثل بظهور العلامات التجارية والمنتجات في سياق غير تقليدي، مثل الفيلم أو المسلسل أو البرنامج. البعض يعتبرها من فئة الإعلان الذكي الذي يؤثر على المتلقي من دون أن يعي، والبعض الآخر يعتبرها من الأدوات القديمة التي باتت «مكشوفة»، فيما تذهب آراء أخرى إلى ضرورة محاربتها، كونها «دساً للسم في العسل»، خاصة إذا كان الأطفال هم آكلو هذا «العسل».
وبين هذا وذاك، يبدو خبراء الإعلان، ومن بينهم مسؤولين عن تسويق برامج جماهيرية على التلفزة العربية، مثل المسلسلات، غير واثقين بعد من تحمس شركات الإعلانات في المنطقة لاتباع هذه الخطة التسويقية، بالدفع مقابل ظهور علامتها التجارية في سياق حلقات الدراما، كما في يحصل في دول أخرى مثل الولايات المتحدة وبريطانيا. ولا تزال هذه الشركات تفضل الإعلان التقليدي الذي يظهر كفاصل مباشر.
ولكن، إذا ما تطور هذا القطاع، بسبب الرغبة في البحث عن وسائل إعلانية ابتكارية، بتأثير من الضغوط التي بات يشكلها رواج وسائط جديدة مثل الإعلام الاجتماعي، فإن مسألة أخلاقية قانونية سوف تبرز، وهي ضرورة إعلام المشاهد مسبقا بأن ما سيشاهده يحتوي على ظهور مدفوع الثمن لعلامات تجارية.
وفي بريطانيا، على سبيل المثال، يتم وضع حرف ذ في بداية أي عرض يحتوي إعلانا مموها لعلامة تجارية، كما يظهر الحرف نفسه في ختام العرض. فهل تطبق هذه الفكرة لدينا؟
يقول لانس دو ماسي، رئيس الفرع الإماراتي للجمعية الدولية للإعلانات: لا أجد أن هناك ضرورة لهذا النوع من التنبيه. ففي كل الأحوال، لا يمكن لظهور منتج في سياق الحدث الدرامي أن يكون مؤثرا، إلا إذا كان «مجبولا» بشكل جيد داخل في هذا السياق. يجب أن يكون هناك زواج حقيقي بين المنتج وبين السياق الدرامي وإلا فشل الأمر.
أما ديفيد بوتوراك، الرئيس التنفيذي لشبكة أوربت شوتايم، فيثير أسئلة عن المفهوم الأخلاقي المهني لهذا لنوع من الإعلانات، ويقول: لا اعتقد أن هذا المفهوم صالح للتطبيق في هذه المنطق. في بريطانيا هناك قوانين صارمة للغاية بهذا الشأن وهي من بين الأشد صرامة في العالم. أنا لا أشجع على هذا الأمر، ولكن في حال تطبيقه علينا توخي الحذر.
توخي الحذر هو الأمر ذاته الذي تطالب به الباحثة الإعلامية سهام شباط. ففي دراسة لها عن أثر الإعلانات على الأطفال، تعرضت إلى هذا النوع من الإعلانات «المموهة». تقول: هناك زيادة كبيرة في مبيعات الشوكولا وكذلك الوجبات السريعة التي سيطرت على الأفلام والإعلانات، ورقائق البطاطا بأنواعها واختلاف أطعمتها.. وكأننا نسير خلفها في اللاوعي وهذا دليل خطير، ولعل المهم هي مراقبة هذه الشركات الكثيرة والكبيرة الانتشار.
ويعود ظهور العلامات التجارية في السينما إلى عقود خلت ولا يزال طريقة واعدة بالنسبة إلى المنتجين، بل إن مصير شركات بأكملها بات متعلقا بظهور أفلام تروج منتجات هذه الشركات. فعلى سبيل المثال، وقبل ظهور الجزء الثاني من الفيلم الهوليودي الشهير «إنديانا جونز»، كان قد طال معه انتظار شركات تصنيع القبعات التي اشتهر بطل الفيلم بارتدائها. وباعت فمن شركة «ستوكتن» الأميركية وحدها أكثر من مليون قبعة بعد ان تم العرض الأول للفيلم. حينذاك نقل عن مدير عام الشركة تصريحه «نشكر الله ونحمده على عودة انديانا جونز إلى حياتنا». وكانت هذه الشركة قد عرفت أرباحا كبرى عندما تم طرح الجزء الأول من الفيلم عام 1984، عندما وقع الناس في غرام فيلم «إنديانا جونز»، وارادوا التشبه بالبطل من خلال ارتداء قبعة مماثلة لقبعته.
وبالنسبة لمسلسل «الجنس والمدينة» الذي تحول إلى فيلم، فحدّث ولا حرج، فهو بمثابة حلم أصبح حقيقة بالنسبة لشركات تصنيع الملابس الجاهزة، خاصة أن أحداث الفيلم تدور حول 4 نساء يملكن خزانة ملابس ضخمة، والاهتمام بمظهرهن هو من ضمن الأشياء الأساسية في حياتهن. ومنذ الإعلان عن بدء تصوير مشاهد الفيلم راحت الرسائل الالكترونية ترسل إلى دور الأزياء العالمية لحجز العقد الذي ارتدته سارة جيسيكا باركر، والفستان الذي ارتده كريستين ديفيس والحذاء الذي انتعلته كيم كاترال والجوال الذي حملته سينتيا نيكسون.
ونالت الفنادق العالمية أيضا نصيبها من حمى المبيعات الناتجة بسبب الفيلم، فتهافت كثيرون على حجز الغرف في الفنادق التي شهدت تصوير الفيلم ما شجع السياحة أيضا في الأماكن التي تم اختيارها لتكون مسرحا لأحداث الفيلم. ومن بين الماركات المحظوظة التي ظهرت في الفيلم، مانولو بلانيكس للأحذية، وماركة جيمي تشو العالمية للأحذية وحقائب اليد، وأوسكار دي لا رينتا وفيندي وإيف سان لوران وبرادا، وحتى سيارات المرسيدس.
وتقول سارة جسيكا باركر، إحدى بطلات الفيلم وإحدى المنتجات، إنها تعي الوقع الذي يتركه الفيلم في نفوس المشاهدين لا سيما من الجنس اللطيف، وأضافت: «لذا نحرص دائما على استعمال المنتجات التي تتناسب مع أحداث المسلسل أو الفيلم لتكون جزءا منه ولتظهر على أنها طبيعية ومن دون أي تكلف، لدرجة أن المشاهد يظن بأنها من دواعي التصوير والقصة وليست بمثابة إعلان رخيص لا يمت للقصة بصلة».
وقامت العديد من محلات بيع الملابس بتقليد الثياب التي ظهرت بها بطلات الفيلم، ويتم بيعها حاليا بأسعار مقبولة جدا، ليتسنى للجميع شراء قطعة من حمى موضة الأفلام.
ولكن ظهور المنتجات في الأفلام قد لا ينجح في كل مرة، وهذا يعود إلى طريقة استعمال المنتج في سياق أحداث الفيلم، فعندما وافقت شركة «كوكا كولا» لاوليفر ستون باستعمال مشروبها في فيلم «ناتشورال بورن كيليز» عام 1994، انقلب السحر على الساحر وانخفضت نسبة مبيعات الشركة بسبب سوء استعمال المنتج، فقد ظهر إعلان الـ«كوكا كولا» في سياق الفيلم بينما كانت تجري جريمة شنعاء، وهذه الصورة أثرت سلبا على المستهلك وأساءت إلى نسبة مبيعات الشركة واسمها.
مشط جيمس دين
في عام 1955 ظهر الممثل جيمس دين في فيلم Rebel without a Cause وهو يسرح شعره بمشط عاجي، وحينها انكب الناس على شراء المشط وحققت شركات عديدة أرباحا لا تحصى بسبب تصميم المشط الذي استعمله النجم.
«راي بان» توم كروز
كان للممثل توم كروز الفضل الأكبر في انتشار نظارات «راي بان» الشمسية بعد ظهوره بها في فيلم Risky Business عام 1983، فزادت المبيعات بصورة غير مسبوقة، وعندما قام كروز بوضع نظارات «راي بان» مرة جديدة في فيلمه الشهير Top Gun عام 1986 حققت الشركة المصنعة للنظارات الشمسية أرباحا لم تشهدها في تاريخها.
أرماني وريشارد غير
أما بالنسبة للنجم الأنيق ريتشارد غير فكان له الفضل الأكبر في انتشار اسم جورجيو أرماني، فبعد أن ظهر في فيلم American Gigolo وهو يرتدي بدلة رسمية من توقيع أرماني تهافت الرجال على شراء البدلة نفسها وهكذا اشتهر ارماني بتصميم البدل الرسمية المفصلة للزبائن خصيصا.
سبيلبرغ والشوكولاته
وعندما ظهرت شوكولاته «هيرشيز» الشهيرة في فيلم ET عام 1982 ارتفعت نسبة مبيعات الشركة وزاد الطلب على النوع الذي استعمله المخرج ستيفن سبيلبيرغ في الفيلم، وصب ظهور «هيرشيز» في الفيلم بمصلحة الشركة بعد ان رفضت شركة «مارس» للشوكولاته السماح لسبيلبيرغ استعمال منتجاتها في الفيلم نفسه.
براد وكلوني وفيراري
السيارات أيضاً تأثرت مبيعاتها بسبب الأفلام، ففي عام 2007 استعمل منتج فيلم Ocean{s 13 سيارته الخاصة من طراز حفَّمْفُّى رِّفُُُُُِّّّْْم ومنذ ذلك الظهور شهدت شركة تصنيع سيارات فيراري مازيراتي قفزة هائلة في المبيعات، بسبب ظهور أبطال في الفيلم من بينهم براد بيت وجورج كلوني
