من يدفع ثمن الغربة والسفر للخارج بحثا عن المال،.. الآباء أم الأبناء؟ والى أي حد يستطيع المال أن يعوض الأسرة غياب عائلها ويمنع الأبناء من التفكك والانحراف ؟ وأخيرا..هل هناك دافع يعطى الحق للآباء للابتعاد عن أبنائهم فترة طويلة دون إحساس بالمسؤولية تجاههم؟...تساؤلات طالما طرحتها أعمال فنية مختلفة مكتفية بإطلاق تحذيرات للآباء من الانخراط في جمع الأموال على حساب مستقبل أبنائهم؟..لكن هل نجحت هذه التحذيرات في وقف تلك الظاهرة،.. أم أن تعقد الأوضاع الاقتصادية وسيطرة الرأسمالية على كل مناحي الحياة كان لها رأى آخر؟.. هذا ما سنعرفه من خلال مسرحية »آنا كريستي« التي تعرض حاليا بالقاهرة عن نص للكاتب الأميركي يوجين أونيل ترجمة وإعداد أسامة نور الدين وبطولة سعيد عبدالغني ونادية شكري ونهاد سعيد وحسن نوح وإخراج أحمد رجب.. »البيان« كانت حاضرة ليلة من ليالي عرض المسرحية واليكم تفاصيلها.
مخرج العمل أحمد رجب أكد أن مسرحية »آنا كريستي« هي العمل رقم 15 بالنسبة له على المسرح، فقد سبق وقدم أعمالا مسرحية بالبيت الفني للمسرح والثقافة الجماهيرية وأكاديمية الفنون المسرحية، لكنه عاد وقال: أعتبر »آنا كريستي« هي البداية الحقيقة في حياتي احترافياً، والمسرحية كتبها المؤلف الأميركي يوجين أونيل عام 1969 ليحذر من سيطرة الرأسمالية على المجتمع وأضرارها وأنها في النهاية تؤدي إلى انهيار الأخلاق.
انطلاقا من ذلك، يضيف المؤلف، تتناول المسرحية فكرة سفر الآباء إلى الخارج وتركهم أبناءهم بدافع جمع الأموال، ولكن للأسف يعود الآباء ليجدوا الأسرة لم تعد كما هي إنما تفككت، وبالتالي فإن تفكك الأسرة يؤدي بدوره إلى تفكك المجتمع وانهيار أخلاقه.
تكنيك سينمائي
ويضيف رجب أن المسرحية حتى خروجها للنور استغرقت فترة تدريب وبروفات قرابة ستة أشهر، موضحا أن من أهم الصعوبات التي واجهته أثناء العرض هي استخدام التكنيك السينمائي؛ بمعنى عمل زوم وتقطيعات كثيرة بالإضاءة على الممثلين، الأمر الذي احتاج إلى بروفات كثيرة.
أما عن اختياره لأبطال العمل فقال: إن المواصفات الشخصية لكل دور في المسرحية هي التي حددت المشاركين فيه، فمثلا شخصية الأب كريستي والذي يتمتع بملامح غربية كانت أهم الأسباب وراء إسناد الدور للفنان سعيد عبدالغني، فالدور ينادي الفنان المناسب له وكل ترشيحات الأبطال من البداية هي نفسها التي قدمت العرض.
الأبناء يدفعون الثمن
ويشير الفنان سعيد عبد الغني إلى أن العمل يحمل بين تفاصيله كل عوامل النجاح التي شجعته على قبول المشاركة فيه من قصة تحمل مضمونًا قويًا يلقي الضوء على مشكلة خطيرة تمس أسرًا كثيرة دفع أبناؤها ثمن محاولات الآباء لجمع الأموال من
أجل حياة كريمة لهم ولأولادهم، إلا أن التفكك الأسرى الذي ينتج عن ذلك لا تعوضه أي ثروة مالية.
أحداث متجددة
وتشير نادية شكري، إلى أن أكثر ما جذبها لقبول العمل القصة العالمية لـيوجين أونيل. وقالت: بعد أن قرأت معالجة المؤلف أسامة نور الدين للعمل وجدته متميزًا، خاصة وأن أحداث المسرحية تصلح لكل العصور، فالعمل يستعرض مشكلة سفر الآباء وتركهم أبناءهم بحثًا عن المال..
وعن دورها في المسرحية، أوضحت أنها تجسد شخصية غانية كان لديها حلم بالزواج من رجل بحار أحبته، ولكنه تركها وضاع معه حلمها في تكوين أسرة وإنجاب طفلة لتعيش في سلسة من التجارب الفاشلة، قبل أن يتجدد الأمل لديها حين تقابل البحار كريستي الذي ترك ابنته وزوجته منذ سنوات طويلة.
وتضيف أن أكثر ما شجعها على قبول الدور مشاركتها للمرة الاولى مع الفنان سعيد عبدالغني، حيث لم يحالفها الحظ من قبل للعمل معه على الرغم من مشاركتها لنجوم كبار، بالإضافة إلى فريق العمل المتعاون جدا، على حد تعبيرها.
كوميدية ساخرة
وتجسد الممثلة نهاد سعيد شخصية آنا ابنة كريستي والتي عاشت سنوات طويلة بعيدة عن والدها، إلا أنها تعود إليه بعد أن بلغت خمسة وعشرين عاماً، وكل منهما يرى الآخر غير الذي تخيله، ويبدأ كل واحد منهما في التعرف إلى الآخر لتعود الابنة إليه وهي محملة بالغضب نتيجة ابتعاد والدها عنها طوال تلك السنوات وبعد أن ضاقت أمامها كل سبل الحياة لعلها تجد عنده حياة كريمة، وأثناء ذلك يظهر ربان بحري يدعى »بريك« أمامها ويرغب في الزواج منها لكن الأب يرفض حتى لا تتكرر المأساة مرة أخرى وتتزوج ابنته من رجلا عاش حياته في البحر مثله، إلا أن الابنة تفاجئ الأب وتفاجأ حبيبها بريك أنها ليست متعلمة وأنها مرت بظروف صعبة في حياتها من اتهام بالسرقة والسجن واغتصاب.. وتحكي قصة حياتها كلها وكل التجارب المأساوية التي عاشتها من خلال منولوج، فيصدم الأب لهذه الحقيقة ويحاول الأب إقناع الحبيب »بريك« حتى يوافق على الزواج منها بعد أن يشعر بالندم على كل ما تسبب فيه لابنته نتيجة هروبه من مسؤوليتها.
سبوت لايت تكنيك سينمائي
قال الفنان سعيد عبد الغني إن من يشاهد النص سيراه متميزا والمعالجة التي تمت لها رائعة والإضاءة وأسلوب المخرج الذي استخدم تكنيكًا سينمائيًا في الإضاءة أعطى شكلًا مختلفًا للعمل، مؤكداً أن مساحة الدور جعلته يخرج كل طاقاته الإبداعية على المسرح، حيث يجسد شخصية الأب كريستي الذي سافر تاركا أسرته منذ طفولة ابنته كي يعود إليهم بالمال، فلم يحقق الثروة وضاعت منه ابنته وضاعت حياتها، وحينئذ يشعر الأب بالأسى والحزن على ما اقترفه في حقها؟.. فهل سينجح أم فات الأوان؟
