البحث عن الدعابة هو ما كان ينشده مشاهدو مسرحية «بيت الأوراق الزرقاء» للكاتب المسرحي جون غور في عرضها الأول على مسرح «والتر كير» في نيويورك أخيراً، لكن قليلة هي الضحكات التي وفرتها المعالجة الجديدة الكئيبة للمسرحية من قبل المخرج ديفيد كرومر الذي يجسد في المسرحية أحلام البائسين.
غير أن هذه المسرحية التي مثلت فيها نخبة موهوبة من الممثلين، مثل بن ستيلر وجنيفر جيسون لاي والرائع أدي فالكو، استطاعت أن تسلط الضوء على كل ذرة من الألم في هذا العمل الفريد لغور الذي يعود إلى عام 1966. وتبدو العناصر الفوضوية في المسرحية في مكانها الصحيح، كما لا يزال الإبهار الجريء والمناجاة العاطفية مسكونا مباشرة في الجمهور.
امرأة مجنونة
لكن باستثناء أداء فالكو الذي يمثل دور امرأة مجنونة تحن إلى المشاعر والانفعالات، هناك القليل من العناصر التي تنقل الجمهور من حالة إلى أخرى في لغة الحوار المفعمة بالتوق.
لقد قام المخرج كرومر بإعادة بناء مسرحيته على أسلوب الدراما الواقعية التي تصور حياة عائلات غير سعيدة في حالة رثة ويكثرون من التذمر.
وكانت مسرحية غور قد عرضت للمرة الأولى في نيويورك عام 1971، وهي توصف بأنها كوميديا سوداء، لكن معالجة كرومر لها تندفع في السوداوية تاركة الكوميديا وراءها تنهار.
وكرومر كمخرج يعرف عنه استخدامه النثر الجاف في الكتابة المسرحية، لكن مسرحية «بيت الأوراق الزرقاء» والتي تتحدث عن قصة حارس حديقة حيوانات متزوج وبائس يحلم بأن يكون كاتب كلمات أغان في هوليوود، تتطلب توازنا مدروسا بين الحقيقة والخيال لإظهار سحرها الكامل.
ولقد تم إحراز هذا التوازن منذ 25 سنة في المسرحية التي أخرجها جيري زاك الحاصل على جائزة توني. فقد كانت معالجته حيوية ومضحكة، بحيث جرى بعث جوهر مسرحية غور الرائعة ورؤيته للانحراف والتشوه في تطلعات البؤساء في القرن الماضي.
فلقد استطاع غور التقاط هاجس أميركي بالنجومية في بداية نموها، بتقمص عاطفي أليم وبصيرة فظة. المسرحية تدور في شقة يوم وصول البابا إلى مدينة نيويورك عام 1965. وقد التقط غور أحلام العامة من الناس حول حياة البابا المذهلة، وتوسع فيها.
لنقرأ هذه الكلمات في الفصل الأول من المسرحية والتي ترد على لسان الممثلة بني فلينغس بشخصية لاي، عشيقة أرتي والذي يمثل دوره بن ستيلر: «عندما يذهب الناس المشهورون إلى النوم مساء، يحلمون بنا يا أرتي. المشهورون هم الناس الحقيقيون. ونحن مخلوقات أحلامهم».
وأرتي لا يريد ان يقتنع بقدره المتمثل في كونه حارس حديقة حيوانات متزوجاً من المريضة النفسية بانانا والتي يمثل دورها فالكو. وينصرف إلى كتابة كلمات الأغاني طوال الوقت. ربما بإمكان أرتي أن يخرج من واقعه ببركة من البابا، أو من صديق طفولته الذي أصبح مخرجاً سينمائياً كبيراً.
إننا نعلم أن أحلام أرتي تذهب سدى نظراً لمحدودية موهبته. وهناك أجواء مشبعة بالرهاب في كل تفصيل من المسرحية، في الديكور وشكل السماء المتهالكة والإضاءة المعتمة والثياب المزخرفة، التي تثير الشفقة أكثر مما تثير الضحك.
قوة مضيئة واحدة
في العتمة توجد قوة مضيئة واحدة، هي فالكو، الممثل التلفزيوني المعروف في مسلسلات مثل «آل سوبرانو» و«الممرضة جاكي». فقد بدا في المسرحية مرتديا رداء ليليا ممزقا وسترة بالية، وقد منح شخصية بانانا المصابة بالكرب عاطفة شفافة خالصة، وأداء رهيباً لدرجة انه كان من المؤلم النظر إلى محياه.
لكن في عالم بهذا السواد كما في مسرحية «بيت الأوراق الزرقاء»، فإن عينيك تبحثان عن الضوء بشكل طبيعي، من أي مصدر أتى.
