روح الشباب والتحركات المطلبية والتي تصل من تجمع إلى ظاهرة والتي كان لها أماكنها قديما كانت تبدأ من كافتيريا الجامعة إلى باحاتها ثم الشوارع، والآن منتديات الـ «فيس بوك» ومواقع التواصل الاجتماعي هي المكان البديل لهذه التجمعات والتي تؤدي بالنهاية إلى الشوارع فالساحات، هل أصبحت الأماكن الافتراضية هي القوة التي تؤدي إلى التحول؟ وما سبب هذه الظاهرة ؟ الحواس الخمس ناقش هذه الظاهرة مع الطب النفسي والاخصائيين الاجتماعيين للوقوف على حقيقة هذه الظاهرة.

 

شريك حقيقي

حول هذا الموضوع يقول د.رياض جبار خضير استشاري الطب النفسي ساهمت شبكة الانترنت بشكل كبير في تشكيل عالم خاص لمستخدميها وذلك عبر توفير الخصوصية وحرية التعبير بعيدا عن عيون الرقابة وبدون الحاجة للإفصاح عن شخصياتهم الحقيقية، وذلك عبر مواقع عديدة مثل الصحف الافتراضية والمواقع الإخبارية والمنتديات والقوائم البريدية والمواقع الشخصية، وأكثر المواقع تأثيراً هذه الأيام هو موقع الفيس بوك، حيث نراه قد تقدم الصدارة في كافة المواقع الإخبارية، وكثر الحديث عنه وعن دوره الكبير كونه أصبح الوسيلة الأساسية للشباب في إحداث التغييرات السياسية التاريخية في أكثر من بلد هذه الأيام.

 

وسائل نشر بديلة

ويؤكد خضير أن عالم الانترنيت وسيلة إعلامية ناجحة وشكل ما يعرف بالإعلام البديل وجاء كرد فعل عنيف ضد الواقع الاجتماعي الذي فرضته وسائل الإعلام الرسمية حيث يوفر وسائل نشر بديلة تتمتع بدرجة عالية من الحرية وسهولة الاستخدام وانخفاض الكلفة، وذلك للتخلص من الرقابة التي تفرضها بعض وسائل الإعلام التقليدية.

وأصبحت شبكة الإنترنت شريكاً حقيقياً في التغييرات السياسية وساعدت كثير من الجماعات السياسية التي لا تجد لنفسها منفذا للتعبير عن أيديولوجيتها عبر قنوات التعبير السياسي التقليدية. لذلك، وفي إطار التضييق على هذه الجماعات في مجال إصدار الصحف وإنشاء الإذاعات والمحطات التليفزيونية الفضائية، وعدم تمكينها من التعبير عن نفسها في وسائل الإعلام السائدة، لجأت هذه الجماعات إلى «الهجرة إلى الإنترنت»، والهروب من الواقع الحقيقي إلى الواقع الافتراضي الذي تتيحه شبكة الإنترنت، فأنشأت المواقع الإلكترونية، وأطلقت المنتديات التي تدير عبرها حواراً تتفاعل فيه مع المتعاطفين مع دعوتها والمؤيدين لتوجهاتها.

 

حركات احتجاجية

وعن الحركات الاحتجاجية على الإنترنت يقول خضير: إن شبكة الإنترنت أتاحت مجالاً أكبر للحرية وطرح الآراء المختلفة وذلك لعدم وجود سلطة موجهة تتحكم في ما يراد طرحه من آراء، وعليه أصبح الانترنت وسيلة للتعبير عند الشباب الذين يعتبرون المستخدم الأول للشبكة وأصحاب الأفكار الثورية والتمرد أو السخط مما ساعد في نمو الحركات الاحتجاجية ضد النظم التسلطية التي تستخدم أجهزة الأمن في تقييد حرية الرأي والتعبير، وتتحكم في المنافذ المختلفة التي يستخدمها معارضوها من أجل إحداث حالة من التغيير المنشود نحو التحول الديمقراطي. فقد أضحى الانترنت وسيلة اتصال بديلة تسمح للشباب الساخط بالتواصل والتعبير عن الرأي ونشر الأفكار بطريقة لا يتيحها العالم الحقيقي، على نحو أصبح يشكل خطراً داهماً على الأنظمة المغلقة أو تلك العصية على التغيير، ولعل ما حدث في تجربة تونس ومصر خير مثال على ذلك، حيث نجح الشباب في استخدام الفيس بوك كوسيلة للتواصل والتغيير.

 

أزمة ثقة

يشارك معتز غباشي اختصاصي اجتماعي بثانوية الصفا بدبي الدكتور رياض في رأيه قائلا:

يتعرض المراهقون والشباب للعديد من التغيرات النمائية التي تطرأ على كل جوانب الشخصية ويمثل هوية الفرد محور هذا التغيير من وجهة نظر علماء النفس، حيث ترتبط بقدرة الفرد على تحديد معتقداته وأدواره في الحياة من خلال محاولة الوصول إلى قدرات حيال تساؤلات تصبح ملحة عن ما أسماه أريكسون «أزمة هوية الأنا» وخلال التشكل يكون الشباب في مفترق طرق فأما يتمكن من تحقق الهوية الايجابية، أو يعاني من اضطراب وتشتت الهوية، وفشل في تحديد أهدافه وادوار حياته.كما يؤثر ذلك في صقل شخصيته واعتماده على نفسه.

وهذا ما نجده في الأحداث المتواترة التي نراها على الساحة العربية في بعض الدول، فالتحركات المطلبية نابعة من الوضع الاجتماعي المتدهور والبطالة خصوصا بطالة الشباب وبطالة أصحاب الشهادات والتي هي بمثابة القنبلةالموقوتة وهذا ما تحقق ويتحقق على الساحة فهي مشكلة كبيرة وسيكون لها تبعات في المستقبل، ولكن المشكلة ليست الوحيدة التي تفسر ما يحدث من تغيرات، فالذي حدث هو في الحقيقة قضية وطنية وليس قضية محلية أو أحداث معزولة عن الواقع العام في مجتمعاتنا العربية، فهي بمثابة الإنذار إلى خطورة الوضع ودقته على المستوى الاجتماعي وهي بمثابة إشارة إلى أزمة الثقة بين المجتمع وبين السلطة، وهذه الأزمة لها أبعاد متعددة والسلطة لم تأخذها بعين الاعتبار، لذا لجأ الشباب للاماكن الافتراضية للتجمعات للوقوف معا في تظاهرات مطلبية تنادي بأبسط حقوقهم في العيش بكرامة في مجتمعات ضاعت فيها كرامة الإنسان أمام قهر السلطة واستبدادها وتسهيلاتها ليبسط الفساد ذراعيه ويحصد ثرواتهم.