بعد شهرين (أو أكثر) من الحجر، يجد البعض صعوبة في مغادرة منازلهم. هل أصبحوا "hikikomori"، (هيكيكوموري)؛ أي مثل بعض الشباب اليابانيين الذين يظلون قابعين في منازل عائلاتهم رفضاً للعالم الخارجي؟
الباحثة في مركز البحث الطبي والعلوم والصحة والصحة العقلية والمجتمع بباريس (Cermes 3)، وعالمة علم النفس الاجتماعي، تقدم الإجابة من خلال حوار مطول مع موقع (le journal cnrs) الفرنسي.
س: أنت مؤلفة مشاركة لكتاب عن المراهقين المنسحبين؛ ظاهرة (هيكيكوموري) اليابانية الشهيرة. من هؤلاء؟ وهل هذه الظاهرة موجودة أيضًا في فرنسا والعالم؟
ج: الهيكيكوموري تعني في اللغة اليابانية أولئك الشباب اليابانيين تحت سن الثلاثين الذين يقيمون ستة أشهر على الأقل من دون مغادرة منازل أسرهم. يتوقفون عن الدراسة أو العمل، ويقطعون جميع العلاقات الاجتماعية، والبعض منهم يعيش في عزلة لسنوات! وكلمة hikikomori لغويا تعني حرفيا "التراجع"؛ "الانعزال في منزل المرء"، وتم وصف هذه الظاهرة لأول مرة في اليابان في أواخر الثمانينيات، لكن سرعان ما أصبح مصطلح هيكيكوموري شائعًا جدًا لدى الأطباء النفسانيين والأطباء العامين في جميع أنحاء العالم، الذين سجلوا حالات هيكيكوموري بين مرضاهم الصغار.
في فرنسا، يتزايد عدد العائلات والشباب الذين يصنفون ضمن هذا التعريف، وحتى وإن لم يتم اعتبار هيكيكوموري خارج اليابان على أنها فئة مرضية لعدم وجود إحصاءات حول هذه الظاهرة، إلا أنها تختفي خلف مسميات أخرى، مثل المتسربين من المدارس على سبيل المثال. ولكن انتبه، يمكن أن يصاب المراهق برهاب المدرسة ويستمر في إقامة علاقات خارج المدرسة، لذلك ليس كل المتسربين هم هيكيكوموريين.
س: ما سبب هذا الانسحاب من العالم؟
ج: الهيكيكوموري هي ظاهرة نفسية – اجتماعية قبل كل شيء، ولدت في اليابان خلال الأزمة الاقتصادية الخطيرة التي أعقبت انفجار الفقاعة المالية في هذا البلد في نهاية الثمانينيات، حيث ظهر "الجيل الضائع" الذي لم يستطع دخول سوق العمل.
وعلى الرغم من أن المجتمع الياباني حاول حقن اقتصاده بمقويات عدة للخروج من الأزمة، إلا انه لم يعد يقدم مساحة لهؤلاء الشباب؛ شيء ما انكسر في ذلك الوقت.
وبخلاف الحالة اليابانية، أصبح لمجتمعات اليوم مستوى مطالب عال للغاية، سواء على المستوى المهني أو الشخصي، في الوقت نفسه، أصبح من الصعب بشكل متزايد العثور على وظيفة وبالتالي حجز مكان في الحياة، ناهيك عن المعايير التي يفرضها ضغط الشبكات الاجتماعية على الشباب اليوم - "كن هكذا، افعل هكذا".
لقد ارتفع مستوى انعدام الأمن الوجودي بشكل حاد، وعززته التهديدات البيئية وأزمة المناخ، واليوم جاء هذا الوباء العالمي ليفاقم الوضع.
س: هل الحجر الذي عشناه، وما زلنا نعيش جزئياً، له أوجه تشابه مع ظاهرة الهيكيكوموري؟
ج: الحجر الصحي فرض علينا، لذلك لا يمكننا الحديث عن انسحاب إرادي من العالم. ولكن، إذا عانى بعض الناس من ذلك، فلا بد من الإشارة إلى أن آخرين عاشوا هذه الفترة من العزلة بشكل جيد للغاية وبنوا لأنفسهم عالما خاصا للنأي عن عدوى كورونا، يجدون صعوبة في الخروج، خوفا من الوباء بالطبع، ولكن ليس بسببه فقط.
الهيكيكوموريون ينسحبون من العالم، وينؤون بأنفسهم عن العلاقات الاجتماعية، التي يميلون إلى اعتبارها معقدة ومتطلبة للغاية. وسواء كان ذلك مع المعلمين أو زملاء العمل أو حتى مع الأصدقاء، فإن أية علاقة اجتماعية تتطلب جهدًا لم يعد بوسعهم بذله. الأشخاص الذين عانوا من الحجر الصحي يجدون أنفسهم في وضع مشابه.
خلال الحجر انخفضت لدى البعض ضغوطات ومتطلبات الروابط الاجتماعية، سواء كانت مهنية (نحن نعلم أن العمل يولد المزيد والمزيد من المعاناة)، أو عائلية أو مع الأصدقاء، حيث أصبحوا في شرنقة تحميهم من العالم، يحسون أنهم بخير. هناك أشخاص تم انهاء حجرهم، لكن لم يعودوا يرغبون في مغادرة منازلهم، وسكان المدن الذين حجروا أنفسهم في الريف لا يريدون العودة إلى المدينة. فما كان يبدو في البداية طريقة جيدة للهروب من القلق يمكن أن يصبح سامًا بسرعة.
س: كيف يمكن أن يصبح الحبس لفترات طويلة سمّا؟
ج: بالعودة إلى ظاهرة الهيكيكوموري، فإن الانسحاب المطول من العالم عوّد هؤلاء الشباب على فضاء زمني مخفض، حيث تصبح المراجع الزمنية لديهم مشوشة.
إلى جانب ذلك، العديد من الهيكيكوموريين ينعكس لديهم إيقاع نهار- ليل! يفقدون كل مفهوم المدة، لأن الوقت لديهم يصبح دوريا جدا، ويوميًا جدًا، وتختفي كل فكرة مرور الوقت. الأيام تتبع بعضها بعضا وتبدو كلها متشابهة. إنه فخ لا ندركه عند إعداده، ومن الصعب الخروج منه، ألا وهو يوم lundimanche (الاثنين الأحد)، حيث إن الأيام خلال الحجر كل منها يشبه الأحد، فيما معناه أن الأيام كلها أصبحت يوم عطلة مثل الاحد.
بعد مرحلة الانسحاب لعدة أشهر، يصبح التقيّد بالجداول الزمنية والأهداف أمرًا صعبًا للغاية. بالإضافة إلى ذلك، يدرك بعض الهيكيكوموريين بألم أن العالم استمر في المضي قدمًا بدونهم، وأن أصدقاء مدرستهم قد وجدوا وظيفة، أو وجدوا شريك حياتهم... وهم لم يفعلوا شيئًا في كل هذا الوقت.
يمكن أن يمر البعض بلحظات اكتئاب، والبعض الآخر يساورهم القلق بشأن المساحة التي تبدو كبيرة جدًا وصاخبة جدًا، والعواطف قوية جدًا، وهم عرضة للدوخة...
للحديث بشكل أكثر تحديدًا عن الاحتواء، هناك بلا شك تأثير وقائي لهذا الموقف - حتى لو تسبب في اضطرابات أخرى، كما أظهرت الدراسات جيدًا، مثل اضطرابات الأكل أو اضطرابات النوم. لذلك، هناك خطر حقيقي من انتعاش القلق عند العودة إلى الحياة الطبيعية.
س: تسمح لنا الرقمية، بالبقاء على اتصال مع العالم أثناء الحجر في المنزل، ألا يسهل هذا ظواهر الانسحاب؟
ج: إلى حد ما، نعم، يمكننا القول إن الإنترنت يرافق الانسحاب ويسمح بتمديده. ولا يمكننا تجاهل حقيقة أن ظاهرة الهيكيكوموري ولدت أثناء فترة ازدهار ألعاب الفيديو في اليابان، وأن الهيكيكوموري يقضي الكثير من الوقت أمام الشاشات للعب عبر الإنترنت أو مشاهدة الأفلام أو لاسترضاء فضوله حول موضوع يهمه. في المقابل، وعلى عكس الأغلبية منا أثناء الحجز، فإنهم يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي قليلًا جدًا، أو إذا فعلوا فسيتم ذلك بهويات مجهولة وبالتأكيد لا يظهرون أنفسهم.
ويمكننا على أي الاعتقاد كلما شعر الهيكيكوموريين بملل أكثر، خرجوا من تقاعدهم "انسحابهم بشكل أسرع.
