غزوة بدر.. النصر الخالد

رمضان شهر الصيام والعبادة والثواب الجزيل الذي وعد الله به عباده، وفي هذا الشهر الفضيل سجلت أعظم الانتصارات في التاريخ الإسلامي، تأتي معركة بدر الكبرى في موضع التاج منها، وهي المعركة الخالدة التي سماها الحق سبحانه وتعالى "يوم الفرقان".

كانت بدايتها بخروج المسلمين للقاء قافلة أبي سفيان، ولم تكن النية القتال، لكن الله سبحانه أراد لهذا الدين أن ينتصر ويظهر بنصر مؤزر في هذه المعركة.

عندما هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة شرع في تكوين دولة لم تكن بمنأى عن مخاطر كثيرة وتهديدات متواصلة من قوى الكفر في قريش التي ألبت العرب على المسلمين في المدينة، وفي هذه الظروف أنزل الله تعالى الإذن بالقتال للمسلمين لإزاحة الباطل وإقامة شعائر الإسلام.

حرب اقتصادية

اتبع الرسول صلى الله عليه وسلم، نهجاً سياسياً حكيماً بشن حرب اقتصادية على قريش باستهداف قوافلها التجارية المتجهة للشام، فانطلقت غزوات وسرايا من أبرزها سرية سيف البحر في رمضان في السنة الأولى من الهجرة، بقيادة حمزة بن عبد المطلب وتوالت السرايا والتي اشترك في بعضها الرسول بنفسه، مثل الأبواء وبواط.

وأعد الرسول صلى الله عليه وسلم لمثل هذه الحرب جهازاً استخبارياً كان عينه صلى الله عليه وسلم على الحركة التجارية وطرقها والقوافل المنطلقة إلى الشام أو العائدة، وقد بلغه عبر هذا الجهاز المهم أن قافلة راجعة من الشام محملة بثروات هائلة تقدر بألف بعير، فندب صلى الله عليه وسلم الناس للخروج لأخذ هذه القافلة فتكون ضربة قاصمة لقريش، ولم يعزم على أحد، فاجتمع عنده ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً معظمهم من الأنصار، ولم يكن بينهم من الفرسان سوى الزبير بن العوام والمقداد بن عمرو وبقية الصحابة رضوان الله عليهم مشاة، أو يتعاقبون كل ثلاثة على بعير واحد. ولم يظنوا أنهم يلاقون حربًا.

وكان أبو سفيان على رأس هذه القافلة، واشتهر بذكائه، فبعث من يتحسس له الأخبار حيطة وحذراً، حتى بلغه أن الرسول صلى الله عليه وسلم خرج مع أصحابه رضوان الله عليهم من المدينة، يريدون قافلته، فأرسل رجلاً يدعى ضمضم بن عمرو الغفاري إلى قريش طلباً لنجدتهم. ثارت قريش عند علمها بالخبر وأسرعت للإعداد لحرب المسلمين، وخرج من كل قبائل العرب رجال سوى بني عدي لم يخرج منهم أحد، حتى بلغ جيشهم نحو 1300، معهم 100 فارس و600 درع.

ولم يكتف أبوسفيان باستنفار قريش، بل عمد لتغيير خط سير القافلة إلى موازاة الساحل غرباً، بعد أن بلغه أن المسلمين عسكروا في بدر، وبعد أن نجى بالقافلة بعث برسالة إلى قريش بذلك، فهم الجيش بالرجوع، ولكن صدهم أبو جهل عن ذلك.

عهد الأنصار

لم يخطر للمسلمين أن الإغارة على قافلة بحراسة صغيرة ستتحول إلى صدام مع جيش كبير مسلح يفوق تعدادهم بثلاثة أضعاف، فعقد الرسول صلى الله عليه وسلم مجلسًا استشاريًّا مع أصحابه ليعرف استعدادهم للحرب، فقام أبو بكر وعمر والمقداد فبينوا أنهم لا يتخلفون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبدًا، ولا يعصون له أمرًا، فأعاد الرسول صلى الله عليه وسلم الأمر، وقال: "أشيروا عليّ أيها الناس".

كان صلى الله عليه وسلم يريد بذلك الأنصار ليتعرف إلى استعدادهم، فقام سعد بن معاذ قائلاً: "والله لكأنك تريدنا يا رسول الله (يعني الأنصار)"، قال رسول الله: "أجل"، قال: "فقد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة؛ فامض يا رسول الله لما أردت؛ فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدوًّا غدًا، وإنا لصبر في الحرب، صدق في اللقاء، ولعل الله يريك منا ما تقرّ به عينك، فسر بنا على بركة الله".

سُرّ الرسول عليه صلوات ربي، بما قاله المهاجرون والأنصار، وقال: "سيروا وأبشروا؛ فإن الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين".

خطة
اختار الرسول صلى الله عليه وسلم مكان القتال، فأشار الحباب بن المنذر بتعديله ليسهل على المسلمين التحكم في مصدر المياه. واقترح سعد بن معاذ بناء مقر للنبي صلى الله عليه وسلم استعدادًا للطوارئ؛ فبنى المسلمون عريشًا للنبي صلى الله عليه وسلم ودخل معه في العريش لحراسته أبو بكر الصديق.

قضى الرسول صلى الله عليه وسلم ليله في الصلاة والدعاء والتبتل والتضرع لله، وقد عبأ جيشه ومشى في أرض المعركة، وهو يقول: "هذا مصرع فلان، وهذا مصرع فلان إن شاء الله غدًا"، وقد استبشر الناس بالنصر.

في الجهة الأخرى، أرسل جيش قريش عمير بن وهب الجمحي في جولة استطلاعية حول معسكر المسلمين، ليقدر عددهم، فقال: "عددهم ثلاثمائة رجل، ولكني رأيت يا معشر قريش المطايا تحمل المنايا، نواضح يثرب تحمل الموت الناقع، قوم ليس معهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم؛ فوالله ما أرى أن يُقتل رجل منهم حتى يقتل رجلاً منكم". وهنا دبَّ الرعب في قلوب الكافرين وقامت حركة معارضة بقيادة حكيم بن حزام، ولكن أبا جهل أفسد هذه المعارضة.

البداية

كان أول وقود المعركة  الأسود بن عبد الأسد المخزومي التي وردت بعض الآثار أنه أول من يأخذ كتابه بشماله يوم القيامة وكان رجلاً شرسًا سيئ الخلق أراد أن يشرب من حوض النبي صلى الله عليه وسلم فقتله حمزة بن عبد المطلب قبل أن يشرب منه، ثم خرج ثلاثة من فرسان قريش هم عتبة وولده الوليد وأخوه شيبة وطلبوا المبارزة، فخرج ثلاثة من الأنصار فرفضوهم، وطلبوا مبارزة ثلاثة من المهاجرين، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم عبيدة بن الحارث وحمزة بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب، وكانوا أقرب الناس للنبي صلى الله عليه وسلم واستطاع المسلمون قتل الكافرين.

غضب الكفار لمقتل فرسانهم وقادتهم فهجموا على المسلمين هجمة واحدة، ودارت رحى حرب طاحنة في أول صدام بين الحق والباطل وبين جند الرحمن بقيادة الرسول صلى الله عليه وسلم، وجند الشيطان بقيادة فرعون الأمة أبو جهل.

بشرى

وقام الرسول صلى الله عليه وسلم يناشد ربه ويتضرع ويدعو ويبتهل، حتى سقط رداؤه عن منكبيه، قائلاً: "اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد، اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم".

ثم أغفى رسول الله إغفاءة رفع رأسه منها قائلاً: "أبشر يا أبا بكر، هذا جبريل على ثناياه النقع"، فلقد جاء المدد الإلهي ألف من الملائكة يقودهم جبريل، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من باب العريش وهو يثب في الدرع ويقول: "سيهزم الجمع ويولون الدبر"، ثم أخذ حفنة من الحصى فاستقبل بها قريشً، وقال: "شاهت الوجوه!"، ورمى بها في وجوههم فما من المشركين من أحد إلا أصاب عينيه ومنخريه وفمه.

مواقف

في بدر الكبرى ضرب الصحابة أروع الأمثلة في الاستعلاء بإيمانهم وعقيدتهم، فلقد قتل أبو عبيدة بن الجراح أباه وقتل عمر بن الخطاب خاله وهمَّ أبو بكر أن يقتل ولده عبد الرحمن، وأخذ أبو عزيز أسيرًا في المعركة، فأمر أخوه مصعب بن عمير بشد وثاقه وطلب فدية عظيمة فيه.

جاء غلامان صغيران هما معاذ بن عمرو ومعوذ بن عفراء، وظلا طوال القتال يبحثان عن أبي جهل لأنهما أقسما أن يقتلاه؛ لأنه سب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبالفعل وصلا إليه حتى قتلاه، وقام ابن مسعود بحز رأسه وحملها للنبي صلى الله عليه وسلم الذي قال عندما رآها: "الله أكبر والحمد لله الذي صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده، هذا فرعون هذه الأمة".

النهاية

انتهت المعركة، وضرب المسلمون فيها أروع الأمثلة في الجهاد في سبيل الله والدفاع عن دينهم ورسولهم، فكان لهم النصر المؤزر، فأسروا 70 من المشركين، وقتلوا 70 من صناديد الكفر، ووقف الرسول صلى الله عليه وسلم على قتلى قريش، ثم أخذ يكلمهم: "بئس العشيرة كنتم لنبيكم؛ كذبتموني وصدقني الناس، وخذلتموني ونصرني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس"، ثم أمر بهم فسحبوا إلى قليب من قلب بدر.

جاءت البشرى لأهل المدينة بصر المسلمين، فعمتها البهجة والسرور، واهتزت أرجاؤها تهليلاً وتكبيرًا، وكان فتحًا مبينًا ويومًا فرق الله به بين الحق والباطل.

ونزل خبر هزيمة المشركين كالصاعقة على أهل مكة، فمنعوا النياحة على القتلى؛ لئلا يشمت بهم المسلمون.

وكانت هذه الموقعة العظيمة في السابع عشر من شهر رمضان من العام الثاني للهجرة.

كلمات دالة:
  • غزوة بدر،
  • يوم الفرقان،
  • الرسول صلى الله عليه وسلم،
  • حمزة بن عبدالمطلب،
  • عمر بن الخطاب،
  • أبوبكر الصديق،
  • أبوسفيان
طباعة Email
تعليقات

تعليقات