على مر العصور، طغى الفضول على التفكير بالدماء، تلك المادة التي تسيل من أجسامنا، فشكلت محط مفاهيم غيبية مغلوطة واكتشافات علمية مفيدة.

الدم يمد الجسم بالحياة، بذلك تفيد الحقائق البيولوجية، لكن بحث الصحافية البريطانية روز جورج في كتابها الشامل الجديد «ناين بنتس» لا يقتصر على فرادة الدم البيولوجية، بل يتجاوزه إلى استحضار العلوم والتقاليد المحيطة به، عدا صلته بالأرض والحياة نفسها. فالحديد في دمائنا يشبه الحديد في كوكبنا، والملح والماء في هذا السائل الأحمر، يأتيان من البحر، وفي الكتاب تفاصيل كثيرة مثيرة، كمعرفة أن دماءنا تقطع مسافة الـ12 ألف ميل يومياً، وأن تلك الشبكات من الشرايين والأوعية والشعيرات في أجسامنا بطول ستة آلاف ميل، ما يمثل ضعف محيط الأرض وأكثر.

المحطة الثانية لروز تعالج قضايا الأنثروبولوجيا، إذ تدرس في كتابها معتقدات الشعوب القديمة التي أدركت أهمية الدماء وانبهرت بغموضها، فأصبحت بالنسبة لها رمزاً للحياة والموت.

وتعرج الكاتبة بعد ذلك على الحضارات المختلفة وتدرس تقاليدها وعاداتها ومعتقداتها، وتمر على الأطباء والفلاسفة الذين عالجوا بالدماء بمن فيهم ابن سينا، ولا تستثني حتى حيوان العلق الذي تقول إنه استخدم في مصر منذ 3000 عام.

تنتقل بعد ذلك إلى القرون الوسطى، حيث غدا تناول الدماء مصدراً للأدوية والعلاجات وينبوعاً للشباب، وصولاً إلى بداية الثورة الصناعية والاكتشافات المهمة للدورة الدموية، وما تلا ذلك من اكتشافات جديدة في فهم فئات الدم.

ولا تترك الكاتبة مجالاً إلا وتطرقه، فتتحول بعد ذلك إلى اللغة، فعبارات مثل «أخوة الدم» مستخدمة، حيث لا نزال ننظر إلى الدماء أنها مصدر العصبية. وتشير إلى العبارات المجازية والعاطفية فـ«دماؤنا تغلي» أو «تتجمد»، تلك ارتباطات تبدو غير منافية للفهم العلمي، وإن كان بعضها يشطح باتجاه علوم الفلك، حيث النظرة الغيبية لم تمت، كما تقول جورج.