يلتقط عبد الله بن ربيع مفردات الحياة في الإمارات، متشبثاً بالأشياء في مسافاتها الأكثر حضوراً في ماضي الزمان، حيث الأصالة والوفاء لكل ما رفد الشعب الإماراتي بالحياة، عبر الدهور والأجيال.
«البيان» تقدم هذه المساحة ليحكي بعدسته عفوية وتفاصيل ووجوه تلك الخصوصية الفولكلورية، لإبقائها حية في ذاكرتنا، صوناً لميراثنا التليد الذي نستمد منه الطاقة الملهمة نحو المستقبل.
لا تكاد تخلو نفس إنسان من مشاعر الشوق إلى ليالي الماضي المشبعة بحكايات الجدات على أنوار السُرُج الخافتة التي ظمِئت لمعين ذكرياتها القلوب بدفء أجوائها وطيبة أهلها، وروابطها الاجتماعية التي جمعت العائلة تحت سقف واحد وعلى مائدة الحب والحنان، تروى من خلالها أجمل القصص الخرافية التي تلاشت آثارها مع التطور الذي شهده عصر التكنولوجيا الحديثة.. بيد أن الحنين إليها لم ينطفئ نوره، وبقي يحن إلى أضواء السراج الخافت الذي أطلق عليه الإماراتيون باللهجة المحلية «الصراي»، ولعله تحريف لكلمة السراج، إذ من المعلوم أن أهل المنطقة يقلبون الجيم ياءً في كلامهم.
وفيه يقول الشاعر:
دبي هيّ دبي
دار الكرام يا حي
خلَّه صراي النور
وبغالها بالخور
واستبشروا يا حي
عرفت الصناعة التقليدية الإماراتية إنتاج «الصراي» من مواد أولية كانت متوافرة بين أيدي الناس في الماضي، فكانت الحاجة إلى إضاءة ظلمة الليل دافعة لهم إلى ابتكار أفكار تلبي حاجتهم بطرق تلاءمت مع بساطة الحياة وقلة الموارد، إذ كانوا يستعملون في صناعته العلب المعدنية ذات المقبض، التي يضعون داخلها فتيلاً من خيوط «الخيش» ويغمسونه بمادة الكاز، ويحوطون رأس العلبة بشيء من معجون التمر ليتماسك مع الفتيلة أو ما يطلقون عليه اسم «السحة».
ولم تقف مادة الكاز وتوافرها عائقاً لأبناء الإمارات البسطاء آنذاك، فقد استخدموا أيضاً شحم المواشي بديلاً عن تلك المادة، بحيث تدهن بها الفتيلة لتأخذ منها الطاقة على الاشتعال. ولم يغب عن أهلنا في الماضي ما ينشأ عن «الصراي» من مادة الكربون الضارة، إذ كانوا يفتحون في الغرف نوافذ صغيرة ليدخل الهواء النقي إلى الغرف في ليالي الشتاء الباردة.

