مسافات

«اليحلة» و«الصحوية».. مخزون تراثي مملوء بالمياه العذبة

يلتقط عبد الله بن ربيع مفردات الحياة في الإمارات، متشبثاً بالأشياء في مسافاتها الأكثر حضوراً في ماضي الزمان، حيث الأصالة والوفاء لكل ما رفد الشعب الإماراتي بالحياة، عبر الدهور والأجيال.

«البيان» تقدم هذه المساحة ليحكي بعدسته عفوية وتفاصيل ووجوه تلك الخصوصية الفولكلورية، لإبقائها حية في ذاكرتنا، صوناً لميراثنا التليد الذي نستمد منه الطاقة الملهمة نحو المستقبل.

جهود رائعة تلك التي بذلتها أمهاتنا منذ القدم في دولة الإمارات، آخذات بزمام المبادرة والعمل إلى جنب الرجل لأجل توفير احتياجات الأبناء والأسر؛ إذ كانت النساء ولم يزلن رمزاً للعطاء من دون مقابل. ولن تنسى أرض الإمارات وربوعها ما بذلته أمهاتنا في أوقات الشدة وحر القيظ وبرد الشتاء، حتى غدت دولة الإمارات تنعم بالوفرة والرخاء وطيب العيش ورغده.

الموارد المائية كانت من التحديات بالغة الأهمية في الحياة؛ فالماء عصب الحياة، والطبيعة الصحراوية ألقت على عاتق الناس مهمة جلب المياه إلى المنازل وقطع مسافات طويلة إلى «الطويان» وهي الآبار، وكانت النساء حينذاك يضطلعن بورود تلك الآبار واستقاء الماء منها ووضعه في «اليحال»، ثم يقطعن به تلك المسافات إلى المنازل محملات بالمياه العذبة، يحملنها على رؤوسهن، ويتأبطن الصغير منها الذي يقال له «الصحوية». وأما «اليحلة» فهي الجرة الكبيرة التي تملأ بالمياه، وتحمل على الرأس.

كانت «اليحلة» ثقيلة في وزنها، تنوء بحملها إلا القوية من النساء، وقد لا تستقر على الرأس أثناء المشي بسبب ما ملئت به من ماء، ولذلك كانت أمهاتنا في ذلك الزمان يضعن قطعة من القماش بين «اليحال» ورؤوسهن، يطلق عليها اسم «التمامه»، تكون حاجزاً رخواً تتكئ عليه «اليحال» فتستقر أثناء الحركة.

وقد عرفت تلك الآبار قصصاً نقلها التداول الشفاهي والأدب الشعبي، فقد كانت موطناً للفتيات والنساء، يجتمعن حولها ويتبادلن السمر والحكايات، وشكلت ديواناً زاخراً بالآداب والتراث والثقافة الإماراتية الراسخة.

ومن طريف ما يروى من الشعر قول النساء لمن جاء من الشبان يطلب منهن شربة من اليحلة المملوءة بالماء، فيجبنه:

عشطان ظمآن يا أهل البيت شربة ما

                               طايف على البير لا باعور ولا باعمى.

تعليقات

تعليقات