«البِلْد».. قطعة من الرصاص مهدت الدروب إلى اللآلئ - البيان

مسافات

«البِلْد».. قطعة من الرصاص مهدت الدروب إلى اللآلئ

يلتقط عبدالله بن ربيع مفردات الحياة في الإمارات، متشبثاً بالأشياء في مسافاتها الأكثر حضوراً في ماضي الزمان، حيث الأصالة والوفاء لكل ما رفد الشعب الإماراتي بالحياة، عبر الدهور والأجيال.

«البيان» تقدم هذه المساحة ليحكي بعدسته عفوية وتفاصيل ووجوه تلك الخصوصية الفولكلورية، لإبقائها حية في ذاكرتنا، صوناً لميراثنا التليد الذي نستمد منه الطاقة الملهمة نحو المستقبل.

 

مثّل البحر مصدراً رئيساً في حياة الآباء، الذين أدركوا منذ القدم أهمية هذا العالم الواسع، فكانت لجته مطيَّتهم في ترحالهم وسفرهم للتجارة، وغدت المدن الساحلية التي تميزت بها دولة الإمارات العربية المتحدة، منارات اقتصادية رائدة امتهنت التبادل التجاري مع كثير من البلاد، كمدينة دبي التي كانت، ولا تزال، من أهم الموانئ التجارية.

لم يكتفِ الإماراتيون باستغلال خيرات البحر في توفير طعامهم وغذائهم، بل تعدى الأمر إلى استخراج كنوزه التي تحتاج إلى مصارعة المستحيل للوصول إليها والظَّفر بها؛ وهذا ما دفعهم إلى امتهان الغوص الذي حاز منه أجدادنا أوفر حظ؛ إذ نجح ابن الإمارات في سبر الأعماق وخاض غمار ظلمات البحار، لأخذ النصيب الأوفر من كنوز اللؤلؤ المخبوءة، في وقت لم تكن تلك الأدوات والوسائل الحديثة المعينة على تحمل الظروف من أجهزة تنفس أو ملابس خاصة، في رحلة عميقة ملأى بالمفاجآت والأسرار، والتي تذكرنا أدواتها، ومنها «بِلْد الرصاص»، بتلك الأيام الخوالي التي خاض فيها الآباء والأجداد غمار التحديات غير مبالين بمتاعب الغوص وأهواله ولا مكترثين بتقلبات المناخ والعواصف في سبيل الظفر بالدانات الثمينة التي تكتنز بها أعماق الخليج العربي.

كان موسم الغوص يستمر لمدة أربعة أشهر؛ بدءاً من شهر يونيو وحتى أول أكتوبر، والذي استعان فيه الغواصون آنذاك بـ«البِلْد»، وهو كتلة من الرصاص مكورة الشكل أو مستطيلة، متصلة بحبل، ويستخدمها الغواصون لقياس العمق واكتشاف المغاص، أو «الهير»؛ وكذلك فإنه عند رمي «البِلْد» ينصدم بالقاع وتهابه أسماك القرش وتهرب.

ومن ناحية أخرى فإن هذه الأداة مهمة لمعرفة حالة القاع المراد الغوص فيه، فإن الغواص يستبين من خلالها حال أرض القاع؛ فإن كانت رملية تجنبها لأنها لا تكون مكاناً خصباً بالمحار، وإن كانت مرجانية فهي الصالحة للغوص لوفرة المحار فيها، وهي المسماة «اللحوف العرشية»، وأما قاع «البيمة» فهو نوع من الصخور المرجانية ضاربة جذورها في باطن الأرض، ويتكاثر فيها المحار مفتوح الفكين، ويتميز الماء داخلها بحلاوته؛ لأن الماء المالح يفسدها. ومن الأمثال المتداولة والتي تتعلق بهذه الأداة قولهم: «قيس قبل ما تغوص عاليه جوع وسافله جوع».

طباعة Email
تعليقات

تعليقات