يلتقط عبد الله ربيع مفردات الحياة في الإمارات، متشبثاً بالأشياء في مسافاتها الأكثر حضوراً في ماضي الزمان، حيث الأصالة والوفاء لكل ما رفد الشعب الإماراتي بالحياة، عبر الدهور والأجيال.   «البيان» تقدم هذه المساحة ليحكي بعدسته عفوية وتفاصيل ووجوه تلك الخصوصية الفولكلورية، لإبقائها حية في ذاكرتنا، صوناً لميراثنا التليد الذي نستمد منه الطاقة الملهمة نحو المستقبل.

في مناطق البيئة الجبلية، كان الماء عزيزاً غالياً ذات يوم، هنا في الإمارات، ولكن الغيوم الشتوية التي تغدق ما يكفي من الغيث المغيث كل عام وطوال أشهر كانت سخية بصورة لافتة في السابق، فتسيل على إثر ذلك من فوق الصخور الشاهقة جداول موسمية تملأ الأودية فيفيض الخير وتخضر الأرض ويمتلئ الضرع، بفضل الله القادر على إحياء الأرض بعد موتها.

ومما ابتكره الإنسان الإماراتي للاحتفاظ بمخزون كافٍ من المياه إلى جواره في القرى الرابضة فوق القمم، أحواض البرك، التي قد تكون طبيعية تشكلها الصخور المتحلقة حول الحفر الجبلية فتحاصر المياه لتصنع سداً منيعاً يحتجز ما ينحدر نحوها من سيول الأمطار، أو قد يلجأ الإنسان إلى إنشاء أحواض واسعة لادخار ما يروي عطشه وعطش بهائمه «الدبش» طوال فترة الصيف الحار الجاف.

هذا الإرث لا يزال ماثلاً بين أيدينا، يحافظ عليه أبناء الجبال، حيث يصنعون بركاً واسعة من الحصى مستعينين بالإسمنت، غير أن مهمة تشييد البركة كان يضطلع بها دائماً المقتدرون والشيوخ، أو قد يتعاون على تحقيقها كل أفراد القرية، بحسب استطاعتهم، محققين قيمة هامة من معاني التضامن والتعاون من أجل الدفاع عن الحياة.

الدلاء المشدودة بالحبل كانت هي وسيلة انتشال الماء من البركة، وكان الجميع يحرص على عدم هدر أية قطرة ماء، لعلمهم بأن الصيف طويل والماء عصب الحياة وضمانة البقاء، ولذلك فإن البركة تعد أهم مرافق القرية الجبلية في ماضي الإمارات.