لم يكن يخطر على بال التشكيلي الإماراتي الشاب فريد الريس الدؤوب على صقل تجربته الفنية بصمت، أنه سيعود مجدداً إلى لوحته «ما يعدل ترابك ثمن» مجدداً بعدما اكتملت ووضعت في بروازها العام الماضي، مضيفاً عاماً جديداً لها ليصبح عدد سنوات الشهداء في الإمارات 43 سنة. ويحكي الريس بتأثر عميق لـ«البيان» قصة عودته إليها قائلاً:
«كنت خارجاً من جامع»الخلفاء الراشدين«الكائن بجوار بيتنا في الورقاء بعد صلاة الجمعة في شهر فبراير حينما لاحظت شاباً فتياً يقارب عمره من 18 عاماً في حالة انهيار وجمع من حوله يحاولون تهدئته. وحينما سألت قالوا توفي والده، فتألمت لمصابه ودعوت الله أن يلهمه وأهله الصبر والسلوان.
وبعدما رجعت البيت أخبرني والدي أن في حينا شهيداً. وهنا أحسست كما لو اجتاح مشاعري زلزال فهذا الشهيد قريب منا وربما نعرفه، وبدأت مخيلتي تجمع وتباعد بين الخبرين حتى صلاة العصر حيث طالعتني خيمة العزاء بجوار بيتنا.
وفي الجامع أدركت أنه لم يكن سوى جارنا الوقور خالد علي البلوشي الذي كان في الثلاثينيات من عمره، والذي طالما صدفته في المسجد دون معرفتي باسمه، وإن ترك انطباعاً جميلاً في نفسي لهدوئه الوقور وهيبته.
ومضت الأيام ولم يفارق الألم وجداني أو صورته ذهني، فهو واحد من الذين نالوا الشهادة أثناء أداء واجبه في الدفاع عن وطننا الغالي الإمارات، الذي يستحق منا جميعاً التضحية بكل غالٍ ونفيس في سبيله.
عشت خلال تلك الفترة تجربة أكثر عمقاً فكرياً ووجدانياً، لقربها من عالمي وملامسة وجع الفقدان ومعنى الشهادة التي تعتبر أعلى مراتب التفاني في أداء الواجب الوطني. وسرعان ما أدركت أن لوحتي«ما يعادل ترابك ثمن» التي ارتبطت ببحث طويل ووثقت من خلالها سنوات شهداء الإمارات من 1971 إلى 2016، لم تكتمل بعد، وبلا تردد أضفت إليها عام 2017، وفي ذهني صورة وجه جارنا الوقور والمهيب.

