يلتقط عبد الله ربيع مفردات الحياة في الإمارات، متشبثاً بالأشياء في مسافاتها الأكثر حضوراً في ماضي الزمان، حيث الأصالة والوفاء لكل ما رفد الشعب الإماراتي بالحياة، عبر الدهور والأجيال.
«البيان» تقدم هذه المساحة ليحكي بعدسته عفوية وتفاصيل ووجوه تلك الخصوصية الفولكلورية، لإبقائها حية في ذاكرتنا، صوناً لميراثنا التليد الذي نستمد منه الطاقة الملهمة نحو المستقبل.
النخلة مضرب مثل كالجمل الطويل مثلها، والذي يكنى بـ«سفينة الصحراء»، إذ النخلة هي وقود وروح هذه الحياة، وبقدر ما تصبر الإبل على العطش والقحط، بل وتمنح من سنامها المختزنة أسباب النجاة للإنسان، فإن شجرة النخل تفعل الشيء ذاته، فتصبر الصبر الجميل على قسوة السنين، وكأنما النخلة والناقة شقيقتان في بذل المعروف والإيثار وصداقة الإنسان وبيئته مهما بلغت بهما القسوة.
ولثقافة النخيل وبساتينها الخضراء في الإمارات شأن عظيم، على مرّ الدهور والأجيال، ويكفي أن النخلة هي الملجأ والملاذ في أشهر الصيف القائظة، وهي المنجي من الجوع والعطش والمسغبة، وتبدأ أبجدية هذه الشجرة المباركة من الصرمة، هي الشتلة اليافعة، والمكان الذي تزرع وتترعرع فيه تسمى «ضاحية الصرم»، حيث تبقى الشجيرات مدة عام تتلقى الري والعناية والحماية من الفطريات والحشرات واعتداء الدواب، حتى تصبح تلك الشتلة «لقية» تحظى بمزيد من الاهتمام حتى تكون بطول متر، ولكن لا يحدث إلا بعد أربع سنوات، وحينئذ تسمى الشجرة «بكسة» وتجمع على «بكُس»، وتستمر مراحل حياة النخلة فتطول وتغدو «عوانه» متينة الجذع صالحة لبناء البيوت «العريش» وذلك بعد تشذيبها من الكرب بواسطة مختصين مهرة، ويطلق على العيدان الناشئة من تلك الجذوع المتينة «اليداع»، بينما تستخدم قشور الكرب المتساقطة من عملية التشذيب في إيقاد النار للطبخ.
تكثر بساتين النخيل في الإمارات وسط مناطق الواحات والأودية، حيث المزارع والأرض الخصبة. يقول الشاعر مشبهاً محبوبته بالنخلة السامقة المثمرة لمكانة هذه الشجرة في قلوب شعبنا:
غرّني عودك ومنسوعك
وانت شروا الشوع ما تعنى
لو نخل بقطع جذوع
ما نبي قيظك ولو يوعنا
النخلة هي زينة الدار ومدار الحياة وملهمة الشعراء أبداً في جزيرة العرب، طال الزمان أو قصر، ولا أحد يستطيع أن يوفيها حقها من الحب والشكر والعرفان.

