يلتقط عبد الله ربيع مفردات الحياة في الإمارات، متشبثاً بالأشياء في مسافاتها الأكثر حضوراً في ماضي الزمان، حيث الأصالة والوفاء لكل ما رفد الشعب الإماراتي بالحياة، عبر الدهور والأجيال.

«البيان» تقدم هذه المساحة ليحكي بعدسته عفوية وتفاصيل ووجوه تلك الخصوصية الفولكلورية، لإبقائها حية في ذاكرتنا، صوناً لميراثنا التليد الذي نستمد منه الطاقة الملهمة نحو المستقبل.

 

سبعمائة شجرة حناء كانت تصطف هناك، خضراء وارفة الظلال، يشقها فلج ماء زلال، يقدّر أهل القرية أنه ظل يترقرق بين الجبال منذ ألف عام أو يزيد، ويصب في واد بين الصخور منتهياً بحفرة واسعة «حابوط الظاهر» منها يتقاسم أهالي «وعيب الحنة» الماء الصافي فيما بينهم بـ«الورة» أو بالترتيب لري مزارعهم في تلك المنطقة قرب دبا الفجيرة.

«وعِيب الحنة» قرية وادعة تسكنها قبيلة اليماحي الشهيرة، وهم قوم كرام ارتبطوا بالفلاحة والبساتين، رغم ظروف ذلك الزمان، حيث اشتهروا بإنتاج الحناء وتوريدها إلى الأسواق المحيطة، وكان الإقبال عليها كبيراً كما كان المطر وفيراً.

حدثني محمد أحمد راشد اليماحي «86 عاما»، فقال: الناس كانوا يفضلون الحناء الجيدة التي ننتجها في قريتنا النائية وراء الجبل، وكنا نبيع بضاعتنا الرائجة بوحدة «المن» في أسواق دبي والشارقة والزيد ورأس الخيمة، ونأخذ مقابلها سلعاً مختلفة، على سبيل المقايضة.

ويستطرد محمد اليماحي: الحمير وسيلة نقلنا حينئذ، نسير عبر الجبال حتى شمل أحياناً، وقد يستغرق المسير أياماً خلال سنوات الستينيات، وأتذكر يومها كان «التيس» يباع بريال واحد، بينما «من» الحنة بخمسة ريالات، ولكننا كنا نبيع الفندال أيضاً، واللومي والرويد والثوم والصخام أو الفحم، ونعود إلى بيوتنا بالقهوة والعيش والسح وهو التمر. ويفاجئني قائلاً: هل تصدق أن مهر إحداهن يوماً كان ثوماً خالصاً؟! الحياة بسيطة، والناس طيبون، والماعز تملأ البيوت.

وحدثني اليماحي أن حناء قرية وعيب الحنة، أنواع: منها الشعتري والأصيل «الحنة الحمرا»، وأضاف أن هذا المنتج المهم تزدهر أشجاره صيفاً في مزارعنا، وأما في الشتاء فكانت الوديان المحيطة بنا تمتلئ فتفصلنا عن القرى الأخرى، وتعطل مصالحنا أسابيع أحياناً نبقى خلالها حبيسي منطقتنا المعزولة، فالأمر كان مختلفاً تماماً عن اليوم، والفضل يعود لشيوخنا وحكومتنا الرشيدة جزاهم الله عنا خير الجزاء.