تَأَوَّبَ طَيْفٌ مِنْ سَمِيرَةَ زَائرُ
وَمَا الطَّيْفُ إلاَّ مَا تُرِيهِ الْخَوَاطِرُ
طَوَى سُدْفَةَ الظَّلْمَاءِ، وَاللَّيْلُ ضَارِبٌ
بِأرواقهِ، والنَجمُ بِالأفقِ حائرُ
فيا لكَ مِن طيفٍ ألمَّ ودونَهُ
مُحِيطٌ منَ الْبَحْرِ الْجَنُوبِيِّ زَاخِرُ
تَخطَّى إلى َّالأرضَ وَجداً، وما لهُ
سِوَى نَزواتِ الشَوقِ حادٍ وزاجرُ
تَحمَّلَ أهوالَ الظلامِ مُخاطِراً
وعَهدي بِمَن جادَت بهِ لا تُخاطِرُ
خُمَاسِيَّةٌ، لَمْ تَدْرِ مَا اللَّيْلُ والسُّرَى
ولم تَنحَسِر عَن صَفحتيها السَتائرُ
عَقِيلَةُ أتْرَابٍ تَوَالَيْنَ حَولَهَا
كما دارَ بالبدرِ النُجومُ الزَواهِرُ
تمثِلُها الذكرى لعيني، كأنَّني
إلَيْهَا علَى بُعْدٍ مِنَ الأَرض نَاظِرُ
فَطَوْراً إخَالُ الظَّنَّ حَقّاً، وَتَارَةً
أهِيمُ، فَتَغْشَى مُقْلَتَيَّ السَّمَادِرُ
فيا بُعدَ ما بيني وبينَ أحبَّتي
ويا قُربَ ما التفَّت عليهِ الضَّمائر
فإن تَكُنِ الأيامُ فرَّقنَ بيننا
فَكُلُّ امْرِئ ٍ يوْماً إلَى اللَّهِ صَائرُ
هِي الدَّارُ ؛ ما الأَنْفَاسُ إلاَّ نَهَائِبٌ
لديها، وما الأجسامُ إلاَّ عقائرُ
محمـود ســـامي الـبـــارودي
شاعر مصري 1838م - 1904
