نزلتُ شَطكِ، بعدَ البينِ ولهانا‎

فذقتُ فيكِ من التبريحِ‎ ‎ألوانا‎

فلا الخمائلُ تُشْجينا بلابِلُها‎

ولا النخيلُ، سقاهُ الطَّلُّ، يلقانا‎

ولا المساجدُ يسعى في مآذِنِها‎

مع العشيّاتِ صوتُ اللهِ رَيّانا‎

‎كم فارسٍ فيكِ أوْفى المجدَ شرعتَهُ‎

وأوردَ الخيلَ ودياناً‎ ‎وشطآنا‎

وشاد للعُرْبِ أمجاداً مؤثّلةً‎

دانتْ لسطوتِهِ الدنيا وما دَانا‎

وهَلْهلَ الشعرَ، زفزافاً مقَاطِعُهُ‎

وفجّرَ الروضَ: أطيافاً وألحانا‎

يسعى إلى اللهِ في محرابِهِ وَرِعاً‎

وللجمالِ يَمدُّ الروحَ قُربانا‎

اللهُ أكبرُ هذا الحسنُ أعرِفُهُ‎

ريّانَ يضحكُ أعطافاً وأجفانا‎

أثار فِيَّ شُجوناً، كنتُ أكتمُها‎

عَفّاً وأذكرُ وادي النيل هَيْمانا‎

طُفنا بقرطبةَ الفيحاء نَسْألها‎

عن الجدودِ.. وعن آثارِ مَرْوانا‎

عن‎ ‎المساجد، قد طالت منائرُها‎

تُعانق السُحبَ تسبيحاً وعرفانا‎

وعن ملاعبَ‎ ‎كانتْ للهوى قُدُساً‎

وعن مسارحِ حُسنٍ كُنَّ بسْتانا‎

أبو الوليد تَغَنّى في‎ ‎مرابِعِها‎

وأجَّجَ الشَوقَ: أشْجانا‎ً ونيرانا

قد هاجَ منه هوى ولادةٍ‎ ‎شَجَناً‎

بَرْحاً وشوْقاً، وتغريداً وتَحْنانا‎

فأسْمَعَ الكونَ شِعْراً‎ ‎بالهوى عَطِراً‎

ولقّنَ الطيرَ شكواه فأشجانا‎

وعاشَ للحُسنِ يرعى الحسنَ في‎ ‎وَلَهٍ‎

وعاش للمجدِ يبني المجدَ ألوانا‎

تلكَ السماواتُ كُنّاها نُجمّلُها‎

بالحُبِّ حيناً وبالعلياء أحيانا‎

من قصيدة «الفردوس المفقود»

1908 - 1976م