أمِنْ تَذَكُّرِ جِيران بِذِي سَلَمِ

مَزَجْتَ دَمْعاً جَرَى مِنْ مُقْلَةٍ بِدَمِ

أمْ هَبَّتْ الريحُ مِنْ تِلْقاءِ كاظِمَةٍ

وأوْمَضَ البَرْقُ فِي الظلْماءِ مِنْ إضَمِ

فما لِعَيْنَيْكَ إنْ قُلْتَ اكْفُفا هَمَتا

وَما لِقَلْبِكَ إنْ قُلْتَ اسْتَفِقْ يَهِمِ؟!

أَيَحْسَبُ الصَّبُّ أنَّ الحُبَّ مُنْكتِمٌ

ما بَيْنَ مُنْسَجِمٍ منهُ ومُضْطَرِمِ؟

لولاَ الهَوَى لَمْ تُرِقْ دَمْعَاً عَلَى طَلَلٍ

ولا أَرِقْتَ لِذِكِرِ البَانِ والعَلَمِ

فكيفَ تُنْكِرُ حُبّاً بعدَ ما شَهِدَتْ

بهِ عليكَ عدولُ الدَّمْعِ وَالسَّقَمِ

وَأَثْبَتَ الوجِدُ خَطَّيْ عَبْرَةِ وضَنىً

مِثْلَ البَهارِ عَلَى خَدَّيْكَ وَالعَنَمِ

نَعَمْ سَرَى طَيفُ مَنْ أهوَى فَأَرَّقَنِي

والحُبُّ يَعْتَرِضُ اللَّذاتِ بالألَمِ

يا لائِمِي في الهَوَى العُذْرِيِّ مَعْذِرَةً

مِنِّي إليكَ ولو أَنْصَفْتَ لَمْ تَلُمِ

مَحَّضْتَنِي النُّصْحَ لكِنْ لَسْتُ أَسْمَعُهُ

إنَّ المُحِبِّ عَنْ العُذَّالِ في صَمَمِ

إنِّي اتهَمْتُ نَصِيحَ الشَّيْبِ في عَذَلٍ

والشِّيْبُ أَبْعَدُ في نُصِحٍ عَنْ التُّهَمِ

فإنَّ أمَّارَتِي بالسُّوءِ ما اتَّعَظَتْ

مِنْ جَهْلِهَا بنذيرِ الشِّيْبِ وَالهَرَمِ

مَنْ لِي بِرَدِّ جِماحٍ مِنْ غَوايَتِها

كما يُرَدُّ جِماحُ الخَيْلِ باللُّجُمِ

والنَّفْسُ كالطِّفْلُ إنْ تُهْمِلُهُ شَبَّ عَلَى

حُبِّ الرِّضاعِ وإنْ تَفْطِمْهُ يَنْفَطِمِ

من قصيدة (البردة)

شرف الدين البوصيري

شاعر جزائري 1213 - 1295م