تَذَكّرتُ أَوطَاني عَلى شَاطِىء النّهرِ
فَجَاشَ لهِيبُ الشّوقِ في مَوضعِ السرِّ
وَأرسلتُ دَمعاً قَد جَنَتهُ يَدُ النّوَى
عَلَيّ فَأمسى فيّ مُنتَحِبَ القَطرِ
عَدُوّانِ مُنذُ البَدءِ لكن لِشقوَتي
قَدِ اتّفقَا أن أقضيَ العمرَ بالقَهرِ
فَلا النّارُ في صَدري تُجَفّفُ أدمُعي
وَلا عَبَرَاتي تُطفِىءُ النّارَ في صَدري
كَأنّ نَصِيبي بَاتَ بَحرَ مَصَائِبٍ
لَهُ أَبداً مَدٌّ بِقَلبي بِلا جَزرِ
أُكَتّمُ صَبري والخُطوبُ تَنوشني
وَهَيهات أن تَقوى الخُطوبُ على صبري
يُرَوّعُني بِالهَجرِ دهري كَأنّهُ
عَلِيمٌ بأني لَستُ أخشى سِوَى الهَجرِ
وإني لَدى دُهم اللّيالي وَجورِهَا
ضَحوك المُحَيّا غير مضطرِبِ الفِكرِ
أصُوغُ القَوَافي حَالِيَاتٍ نُحورها
عَرَائس أبكارٍ بَرَزنَ مِن الخِدرِ
إِذا مَا نّسِيمُ الشوقِ هَزّ قَريحَتي
تَسَاقَطَ منها الدرّ في رَوضَةِ الشّعرِ
بنوها بُرُوجاً خَافِقَاتٍ بنودها
عَلى قِمَمٍ باتَت تعز على النّسرِ
تضيءُ بها الأنوَارُ لَيلاً كَأَنّها
تَلوحُ لَنَا بين الكَواكِبِ والزّهرِ
إِذا لَمحَتها الشمسُ تبدُو لشنَاظِرٍ
عرَائِس تجلى في ثيابٍ من التّبرِ
وإِن ضَحِكَ البرقُ الهَتُونُ مُداعِباً
ذُرَاهَا انشَني بينَ المَخافَةِ والذّعرِ
تَمُرّ الرَياحُ الهُوجُ غَضبى عَوَاصِفاً
على كلِّ بُرجٍ شامخٍ باسم الثغرِ
كأنَّ يَدَ الأَيَّامِ عنهُ قصيرةٌ
وطرف الليالي تاهَ في المَهمَةِ القَفرِ
من قصيدة ( تَذَكّرتُ أَوطَاني )
شاعر مهجري ( 1871 - 1941 م)
