ذلك الصباح معتاداً لمن مروا خلال ساعاته مصادفة، أو سمعوا أحاديثه بشكل عابر.. في اتصال هاتفي أو سرد تلقائي على لسان أحد أفراد تلك الجلسات الصباحية.. عندما يصبح الحديث خاصة المتحدثين، ولغتهم التي لا يستغنون عنها.

حيث المثل والحكمة والشعر.. فنون الكلام وحديث تتداوله نسوة الفريج.

- "حيّا الله بنت سالم .. شخبارج" .. "أخبار ما عندي.. أخبار فالتلفزيون الساعة ١٠"

حسبي الله على ابليسج ..

- يلا أمايه أنا سايرة في أمان الله يدوه، "يقولون مركب فيه صراي.. طبعان ورا البيت"..

تطلق بنت سالم ضحكة ساخرة: ما تيوز أم عبود ما تيوز .." يدوه ؟ شو تقولين؟"

"توكلي على الله أمايه، الله يحفظج "

إنها نصيحة الجدة الساخرة بشأن "جحال" حفيدتها، الغارق في السواد.. وكأنها تغرف من فائض الكحل المسكوب في البحر إثر غرق المركب المحمل به.. في حكاية في كلمة، لا تلتقطها إلا الذاكرة الحاضرة.

يمضي الصباح بشكل هادئ، لا يخلو من صوت الراديو، وتعليقات بنت سالم على أخبار اليوم، يتخلله وصول شاعرة الجلسة، إنها الطاقة المتفجرة، الحنين والحب والعتب والشعر على قدمين.

- "السلام عليكم.. يا الله يا حمده، وينكم عني ما حد يقول بوايج عليها، من العام ما ييتوني"

لفظ "العام" في المحلية يعد صيغة مبالغة، يراد بها التعبير عن وقت طويل، ولكنه بالتأكيد لا يصل إلى مدة العام أو السنة. إنها وجه من أوجه البلاغة المحلية. وتغرق الشاعرة في حديث متصل تقاطعه بنت سالم بفظاظتها المعتادة.

- سكتي انتي خلينا نسمع الرادو لا.. يقولون ولد أم خلفان يلعب كورة الدي، يايب قول لا .. هالفريج كله لواعيب. ولد أم حمد يلعب كرة الرول ما شاء الله"

- "شو بعد هاي الرمسة، بالله عليج شو تقول"

- "تقولج حمد يلعب كرة الريل وحسون يلعب كرة اليد"

ينتصف النهار ويوشك أذان الظهر أن يرفع، وتهم بنت سالم بالاستئذان،

- "أم عبود ما تيوز .. يلا سامحوني فمان الله".

الشاعرة ترتجي بقاءها، "ويدي يلسي، بنرمس".

- "سيري لاه. انتي ضوج ميتة ، تلعبين بالرماد"

فالشاعرة تزور في الوقت الضائع، بعد أن انطفأت النار وبرد الحديث.. وتهز أم عبود رأسها ضاحكة..

- "فمان الله، هاي مسعود رويد بايت، لو تيلس لين العصر خو ماعندها شيء".

- "يا حافظ عليها.. مكسورة وتبرد".

إنها الجرة المكسورة، التي مازالت قادرة على حفظ برودة الماء. كذلك بنت سالم؛ فبعد خريف العمر، هي لاتزال تستأثر بالاهتمام.

- "فمان الله يا بنت سالم.. عاده لا تقطعينا.. نتوله عليج".

لا بد من تلك العبارة الوداعية، رغم أن بنت سالم لا تقطع الزيارة اليومية إلا في حالات نادرة.. لا تكاد تذكر.

انفض المجلس الصباحي منذ سنوات، وبقيت الذكرى.. وشيء من أحاديث طريفة. على لسان أصحاب رحلوا.. وآخرين يجترون ذكريات حميمة.